الجمعة، 11 مارس، 2011

القواعد المقررة لحماية المدنيين أثناء الحرب في الشرائع السماوية والتنظيم الدولي الحديث




القواعد المقررة لحماية المدنيين
 أثناء الحرب
في
الشرائع السماوية والتنظيم الدولي الحديث


دكتور
 حمادة محمد السيد سالم
دكتوراه
القانون الدولي العام
2009م
القواعد المقررة لحماية المدنيين
 أثناء الحرب
في
الشرائع السماوية والتنظيم الدولي الحديث
إن الغرض من القواعد والأحكام المقننة لتنظيم الحروب والتي استقرت بين الدول لا يخرج عن أمرين : ([1])
     الأمر الأول: أن الحرب القائمة إذا دعت إليها حالة الضرورة فإن هذه الحالة هي التي تقضي أو تشفع في استعمال أساليب العنف والقسوة والخداع في الحرب، حتى يتحقق الهدف منها وهو قهر العدو وهزيمته وإحراز النصر على المعتدي.
     الأمر الثاني: وجوب مراعاة المبادئ الإنسانية في الحرب بقصر ويلاتها على القوات المتحاربة من الطرفين مع تجنيب غير المحاربين تلك المضار والأهوال، بالإضافة إلى تجنب أعمال القسوة أو الوحشية طالما أن استعمال هذه الأساليب تزيد عن تحقيق الهدف المرجو من وراء الحرب.
      وإذا كان من المتعذر على الدول المتحاربة أن تضبط سلوكها الحربي وفقاً لتلك القواعد القانونية في ظل التقدم الرهيب للوسائل الحربية من تقنيات حديثة تتيح استخدام الأسلحة الفتاكة ذات القوة التدميرية واسعة المجال سواء في الأرواح أم في المنشآت، مما يؤثر بالسلب على أمن وسلام البشرية جمعاء، فإن التشبث بمثل هذه القواعد القانونية التي استقرت ورسخت بين أعضاء المجتمع الدولي  لكفيلة بالحد من مخاطر الحروب، والتي لم تنل في المقام الأول إلا من المدنيين بشتى طوائفهم، وبالتالي، فيجب على جميع الدول وخاصة الدول الضعيفة من مواصلة العمل ومجاهدة النفس على تجديد الدعوة لدول العالم باحترام تلك القواعد القانونية بل وتقديسها.
      فوظيفة القانون الدولي : هي ضمان الحد الأدنى من إجراءات الحماية والمعاملة الإنسانية للجميع  سواءً في وقت السلم أو في زمن الحرب، وسواء أكان النزاع دولياً أم كان داخلياً، فيجب حماية الإنسان في كل الأحوال، وخاصةً في وقت الحرب، بأن لا يلحق المتحاربين أضراراً لا تتناسب مع الغرض من الحرب، وألا يتضرر الأفراد الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ الفانيين والعجزة والعمي، ومن في حكمهم، والمدنيين الذين لا يشاركون في الحرب، والعسكريين الذين ألقوا سلاحهم. ([2]) 
      ولقد أخضعت البشرية الحرب على مر العصور لعدة مبادئ من أجل رعاية الضرورات العسكرية، والاعتبارات الإنسانية معاً، فالقانون الدولي على مر العصور يحاول إعمال التوازن بين هذه الاعتبارات. ([3])
فالفقه القانوني الدولي يقسم قواعد الحظر المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية إلى فئتين هما كالتالي: ([4])
الفئة الأولى: تتمثل في قواعد لا بد من مراعاتها لحماية الأشخاص المدنيين الموجودين تحت سيطرة العدو من أعمالة الوحشية، أو التعسفية في الحرب.
الفئة الثانية: قواعد الحظر المقيدة لأساليب ووسائل الحرب، والمتمثلة في عدم استخدامه لأنواع الأسلحة المحرمة دولياً، أو ارتكابه لبعض من أساليب وأنواع الخدع غير المشروعة في الحرب.
      وعليه فالقانون الدولي الإنساني يتكون من فرعين هما : قانون الحرب، وقانون حقوق الإنسان. ([5]) وأن تلك الاتفاقيات والإعلانات الخاصة بحماية المدنيين والمحاربين وقت النزاعات المسلحة، تنتمي إلى القانون الدولي الإنساني الذي هو فرع من فروع القانون الدولي العام، ولما كان الأمر كذلك كان لزاماً علينا أن نبين التطورات التي مرَّ بها القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين في العهود المتلاحقة.
       وتستجيب جميع هذه الاتفاقيات لاحتياجات إنسانية خاصة في حالات النزاع المسلح، منها ما يطبق أثناء النزاعات المسلحة الدولية، ومنها ما يطبق في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية، فالرسالة الأساسية للقانون الدولي الإنساني هي منع الاعتداء على الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال الحربية من جهة، ومن جهة أخرى منع استعمال الأسلحة التي لا تميز بين المحاربين والمدنيين وكذا الأسلحة والأساليب المسببة للفواجع والمآسي الإنسانية. ولقد تطورت القواعد القانونية الدولية المتسمة بالطابع الإنساني من أجل أن يسود الأمن والسلام ربوع المجتمع الدولي بعد الدمار والمرارة التي لاقتها البشرية من أثار الحروب والمنازعات خلال المراحل المختلفة من العصور حديثة العهد. ([6])  فمصطلح القانون الدولي الإنساني، يؤكد ويعمق الاعتبارات الإنسانية بدون أن يلغي المقتضيات العسكرية. والحق أن هناك محاولات للدفاع عن الإنسانية والسلام قديمة في عقل الإنسان تبنتها الأديان السماوية، وجهر بها الفلاسفة والمفكرون، كما سعى الكثيرون لترشيد الحرب وتحديد أسبابها، ومع تقنينها والعمل على تحريمها سارت هناك محاولات من جانب الفقهاء تهدف إلى جعلها إنسانية. ([7])
      وبالرغم من تحريم الحروب العدوانية في القانون الدولي المعاصر، وكافة الشرائع السماوية، إلا أنه ما زالت تنتهك المبادئ القانونية السماوية، بل والدولية على أيدي الطغاة والمفسدين الخارجين عن قواعد القانون، والمنتهكين للشرائع والقيم الأخلاقية والإنسانية، ولذلك كان من الضروري البحث عن قواعد قانونية لحماية ضحايا الحروب المسلحة من المدنيين، وأعيانهم المدنية. ([8])  ولقد ساهمت الشرائع السماوية بالدور الأكبر في تفعيل وتطوير هذا الفرع من فروع القانون الدولي العام، إلى جانب الصيحات التي نادى بها كبار الفلاسفة والمفكرين من الكتاب والمصلحين، لتجنب شرور الحرب وقسوتها التي لا مبرر لها في الغالب، وذلك بتحديد الأشخاص الذين لهم الحق في الاشتراك في القتال من عدمه. ([9])
       فالقانون الدولي الإنساني: يقصد به : مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات، أو العرف والرامية إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة بصورة مباشرة من النزاعات المسلحة الدولية، وغير الدولية، والتي تقيد لأسباب إنسانية حق أطراف النزاع في استخدام طرق وأساليب الحرب التي يرونها، أو تحمي أعيانهم، والأشخاص الذين تضرروا منها. ([10])
      وقد ساهمت الأديان السماوية، وبشكل كبير في تلطيف العادات الهمجية التي كانت سائدة منذ القدم ووضع العديد من القواعد الإنسانية والأخلاقية التي تنضوي على الرحمة والشفقة في معاملة المحاربين، وحماية المدنيين حال النزاعات المسلحة، فكان للدين الإسلامي الفضل الأكبر في تفعيل هذا الدور بما أورده من قيود وضوابط لممارسة القتال، على أساس من الأخلاق والفضيلة والرحمة، فهو بذلك يعد نظاماً سامياً متكاملاً. ([11])
    ولقد كانت للعلاقات التي تمت بين دول الشرق القديمة أيضاً الأثر الملموس في إفراز عدة قواعد قانونية أعطت لقواعد القانون الدولي الطابع التاريخي، حيث أظهرت الطابع الإنساني لتلك القواعد القانونية. ([12])
      وتقتضي دراسة هذا البحث أن نتناوله. في  المطالب التالية:
      المطلب الأول: حماية المدنيين في الشرائع القديمة.
      المطلب الثاني: حماية المدنيين في الشريعة اليهودية.
      المطلب الثالث: حماية المدنيين في الشريعة المسيحية.
      المطلب الرابع: حماية المدنيين في الشريعة الإسلامية.
     المطلب الخامس: قواعد حماية المدنيين في التنظيم الدولي الحديث.

المطلب الأول
قواعد حماية المدنيين
و
 الشرائع القديمة
      كانت الحرب في العصور القديمة تتسم بالوحشية والمغالاة في سفك الدماء فلم ينج من ويلاتها عجوز أو شيخ فانٍ، أو امرأة، أو طفل رضيع، وأمام تلك الوحشية والفظاظة التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة ظهرت الحاجة إلى البحث عن بعض القواعد الإنسانية التي يجب مراعاتها لتخفيف الأهوال الناجمة عن سلوك المحاربين. ([13]) إلا أن تلك المجتمعات القديمة لم تكن، على درجة واحدة من حيث السلوك المتبع في الحروب الدائرة بينها حينئذٍ بل كانت متفاوتة من حيث القسوة والوحشية من مجتمع لآخر، فمثلاً الأشوريين كان القتل بينهم يتم بصور وحشية وبقسوة فارهة القوة حيث كانت القاعدة المتبعة عندهم هي ( أن كل شيء مباح في الحرب) ووجدت هناك جماعات أخرى قد اتبعت بعضاً من قواعد الإنسانية في المعارك تتمثل في وقف الحرب لنقل جثث القتلى والمصابين والجرحى من ميدان المعركة، إضافةً إلى العديد من القواعد التي ترجع في نشأتها وأصولها إلى شعوب الحضارات القديمة.([14])
      ولقد مارست الصين القديمة العلاقات الدولية على أفضل النظم الإنسانية في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية: واجتهدوا في إضافة قواعد دولية ودبلوماسية جديدة تنبع منها روح العدالة والمحبة والسلام بين الدول المتعاملة معها، مع اعترافها الكامل باستقلال الدول التي ترتبط معها بعلاقات من الود والمحبة، وعلى أثر الخلاف الذي دار بين الولايات  الصينية التي كانت تتمتع فيما بينها باستقلال تام، قامت الحروب فيما بينهم بسبب الحدود ألحقت خسارة كبيرة في الأرواح والأعيان فقام دعاة السلام في تلك الولايات بالدعوة إلى وقف هذه الحروب، فعقدوا مؤتمر(وادي يانجستي) أسفر عن وضع قواعد جديدة للمساعدة في منع الحروب وحماية الأبرياء من الأطفال والنساء والعجزة من الشيوخ تتمثل في نزع السلاح. ([15])  
       فكانت العلاقة بين الشعوب في القدم محدودة وقاصرة على البلدان المتجاورة دون غيرها فإن حسنت الصلات فيما بينهما قامت بينهما علاقة تجارية، وعلاقات ود وتعاون، وإلا فكانت الحرب بينهما على الدوام ولم تنتهي إلا بغلبة أحدهما على الآخر وإخضاعه واستعباده، وإما بصلح يمليها  الطرف الأقوى منهما، ومن حالة السلم وحالة الحرب نشأت بعض القواعد العرفية المقيدة لحالة الحرب في بعض الأحيان([16])  وعلى الرغم من أن تلك الشعوب القديمة على اختلافها كانت تموج قوانينها بالفتن والصراعات إلا أن قوانين الحضارة المصرية القديمة كانت تتسم بالعدالة ومبنية على أسس من القيم والمبادئ الأخلاقية ([17]) فلقد عبرت العلاقات الإنسانية الدولية بين مصر والدول المحيطة بها من ليبيا والنوبا والآسيويين وغيرهم عن أروع مظاهر الحياة الدولية الإنسانية، حيث أبرمت عدة معاهدات طبقت فيها الوساطة والتحكيم بينهما حيث تضمنت عدة مبادئ تحقق الخيرية والحكمة فيما بين الدول. ([18])
      كذلك فإن بعض الجماعات القديمة في الهند : ساهمت هي الأخرى في بناء وتكوين قواعد القانون الدولي الإنساني، فلقد عرفت بعضاً من التنظيم الذي كان يحكم وينظم العمليات الحربية لصالح الاعتبارات الإنسانية والتي كانت تحرم على المقاتل أن يوجه أعماله العدائية إلى غير المقاتلين من المسالمين من الأعداء لضمان سلامتهم وعدم إلحاق الضرر بهم، وعدم قتل المقاتل إذا استسلم أو وقع في الأسر. ([19]) كذلك نجد في قانون مانون الذي جمع حوالي سنة مائة قبل الميلاد، عرف بعض القواعد الإنسانية التي تصل إلى حد التسامح فيما يتعلق بشئون الحرب، من بينها ضرورة معاملة الغير بإنسانية، وأن الهدف من النزاع المسلح ليس القيام بالمجازر، وإنما يجب تحقيق النصر على العدو بدون اللجوء إلى أساليب القمع غير المشروعة بقدر الامكان، كما عرفت حضارة الهند فكرة التمييز بين الأهداف العسكرية التي يمكن مواجهتها، والأهداف المدنية التي يحظر الاعتداء عليها، كما ميز هذا العهد القديم بين المقاتلين وغير المقاتلين فحرم قتل من لا يشارك في الحرب، وكذلك الذين ألقوا سلاحهم، أو فقدوه، أو ولى مدبراً كما منع قتل المجنون والنساء والمسنين ورجال الدين. ([20])
      وفي أفريقيا القديمة : كان غير المقاتلين من المدنيين وغيرهم، في مأمن عن مخاطر الحروب، حيث كانوا يطبقون قواعد الشرف التي يلتزم بها جميع الدول، ويطبقونها بأمانة وشرف، ولا يجرؤ أحداً على الخروج عليها. ([21]) فقاعدة الحق في القتل التي كانت متبعة في القدم قد دخل عليها تطويراً وتغييراً من إباحة قتل الرجال والنساء والأطفال من المدنيين، إلى الحفاظ على حياتهم واسترقاقهم بدلاً من قتلهم. ([22]) 
      ووجدت هناك نوعا من العلاقات الخارجية بين اليونانيين والرومانيين، إلا أن المشكلة كانت تتعلق في نظرتهما أنفسهم إلى الحياة والتي لم تكن لتسمح لهما بوضع تشريع يقيد من سلوك المحاربين بهدف التمييز بين المدنيين والمحاربين، فالتنظيم الدولي المتكامل في الحقيقة فكرة حديثة العهد ولم تكن معروفة قديما لا في العصر القديم اليوناني ولا الروماني، ولا في العصور الدينية الأولى اليهودية ولا المسيحية.([23])
       أما عن العهد اليوناني: فقد كان يسوده صلات من الود والرحمة بين بعضهم البعض بحكم اتحادهم في الجنس واللغة والدين، أما صلاتهم بغيرهم من المدن الأخرى فقد كانت علاقة عداء واستعلاء، بل ويعتبرون الشعوب الأخرى شعوبا همجية يباح لهم قتلهم واستعبادهم بلا رحمة ودون مراعاة لعهد ولا دين ولا خلق، بل ويباح الاستيلاء على ممتلكاتهم. ([24]) فكانت هناك علاقات مميزة بين المدن اليونانية كأثينا وإسبارطة تبادل فيما بينهما المبعوثين وعقدت فيها المعاهدات والمؤتمرات التي أنتجت بعض القواعد الإنسانية مثل قبول التحكيم في المنازعات التي تنشأ فيما بينها وحسن معاملة الأسرى في الحرب، وتحريم القتال في الأماكن المقدسة وحماية المنشآت الغير حربية. ([25]) كما كانت الحماية مقررة لكل من يرتبط معها من الشعوب الأخرى بمعاهدة صداقة أو معاهدة ضيافة أو معاهدة تحالف، بناء على مجموعة من القواعد المرعية بتنظيم العلاقات بين هؤلاء الشعوب والشعب الروماني([26])
      إلا أن هناك البعض ( فوشي) يرى أن هذا العهد لم يعرف أي نوع من تنظيمه للعلاقات الدولية الإنسانية فما هي إلا علاقات تحكمية لا ضابط لها فكانت علاقات عدائية وحروب مشوبة بالقسوة لا تخضع لأي قواعد تقليدية بالمعنى الصحيح، لأن قوام العلاقات الدولية علاقات تقوم على المساواة بين الدول في كل الحقوق والواجبات دون تفرقة بين العناصر واللغات والأديان، وتلك المساواة لم تكن موجودة عند الإغريق بسبب أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم سادة العالم يتمتعون بكافة الحقوق، والشعوب الأخرى  شعوب همجية لا يتمتعون بأي من الحقوق، أما بعض القواعد التي كانوا يطبقونها في بعض الأحيان فكانت مرجعها الاعتبارات الدينية، وتستند في وجودها إلى التقاليد الداخلية وليست إلى فكرة وجود قانون منظم للعلاقات الدولية.([27])
      أما عن العهد الروماني:  فلم يختلف عن العهد اليوناني في بادئ الأمر ففي بداية تاريخها كانت أكثر اعترافا واستعدادا لقبولها بعضاً من القواعد التي تهذب من سلوك المحاربين والتي كانت ملزمة لها ولغيرها من المدن المتمدينة الأخرى ([28]) لكن سرعان ما قويت شوكتها بما حققته من بعض الانتصارات العظمى فدانت للإمبراطورية الرومانية معظم المدن والشعوب فاشتدت ضراوتها وظهرت العنصرية والتفرقة بين الشعوب والبلدان، فكان يحكمها تشريعين تشريع يحكم سكان روما، وآخر يحكم المدن الأخرى الذين كانوا يطلقون عليهم اسم البرابرة، وبظهور التفرقة في المعاملة وما ترتب علية من نزاعات بين الشعوب نشأت بعض القواعد العرفية التي بتكرارها أصبحت قواعد قانونية دولية والتي بمقتضاها ميزوا فيما يتعلق بشعب العدو بين المقاتلين وغير المقاتلين. ([29])
     وينكر( فوشي) أيضا على الرومان معرفتهم للقواعد القانونية الدولية على الرغم من ازدهار علم القانون في عصر الرومان إلا أن تلك القواعد التي كانت مطبقة بينهم وبين غيرهم من الدول في الحرب ما هي إلا عادات لا تعدوا إلا أن تكون إجراءات شكلية ذات صبغة دينية قام بها بعضا من رجال الدين بهدف سحب المشروعية على ما يقدمون علية من أعمال حربية مع العدو، كما أن معاهدات الصلح التي أبرموها مع الطرف الآخر كانوا يملون شروطهم فيها لما لهم من غلبه، كما كانوا يفسرونها وفقا لأهوائهم ورغباتهم الشخصية بما يحقق لهم مصالحهم وأهوائهم وتبعا لما يقضي به القانون الروماني من التزامات وأعباء على الشعوب المقهورة. ([30])
      إذا نستطيع القول بأن الأزمنة القديمة لم تتعرف على القواعد التي بمقتضاها تفرق بين المدنيين والمقاتلين: اللهم إلا بعضاً منها في المدن الصينية والهندية والمصرية القديمة، والتي سعت إلى حتمية مراعاة بعض الاعتبارات الإنسانية أثناء القتال. ([31]) أما في الحضارات اليونانية والرومانية فيكاد يكون مبدأ التفرقة بين المدنيين والمقاتلين لا يطبق إلا فيما بين المدن التابعة لها، والدول التي ترتبط معها بعلاقات ود وتحالف، أما غيرها من المدن الأخرى فكانت تلك التفرقة منعدمة. فكان ينفر إلى القتال كل قادر على حمل السلاح أيا كان حرفته الزراعة أو التجارة أو الصناعة على اختلافهم، وسواء أكان منخرطا في الجيش النظامي الذي كان موجودا آنذاك أم كان من المدنيين فلم تعرف هذه الأزمنة أي فارق بالمعنى الدقيق بين المدنيين والمحاربين بسب أن الجميع كانوا يهبون للدفاع عن الوطن. ([32])
      والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت قواعد الحروب المتبعة في ظل الأديان السماوية والتي كانت تجمع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في الدولة، هي نفس القواعد المتبعة في ظل الشرائع القديمة، والتي كانت تتسم بالعنصرية والتفرقة في المعاملة الإنسانية بين طوائف الدولة الواحدة، وبين أفراد الدول الأخرى حيث كانت الأولى تنعت بالرحمة والود والتسامح، وكانت الثانية تنعت بالعداء المستحكم والتي تباح فيه قتل الأبرياء دون مراعاة لخلق ولا دين ولا عهد، أم أن الأمر مختلف؟ هذا ما سنراه من خلال المطالب التالية.
المطلب الثاني
قواعد حماية المدنيين
و
 الشريعة اليهودية
      لقد التقت اليهودية مع الشريعة الإسلامية في أصلها حيث أنها قد رفعت من قيمة الحياة الإنسانية في الدفاع عن حق الفرد، وكرامته فقد نقل لنا القرآن الكريم عن التوراة أن من قتل النفس بغير حق لا يقاس في نظرها بقتل أمة فقط، بل بقتل الإنسانية جمعاء. ([33]) كما يقول الله تعالى " من أجلِ ذلِك كتبنا على بنىِ إسرائيلَ أنهُ من قتلَ نفسا بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنما قتلَ الناسَ جميعاً ومن أحياهَا فكأنما أحيَا الناسَ جميعاً" سورة المائدة الآية[32]
      ولقد ورد في العهد القديم وثيقة تتضمن وضع قيود وضوابط لسلوك المحاربين بهدف التخفيف من المخاطر الناجمة عن الحروب، والتي يتضرر منها غالبية السكان المدنيين، فمنعت تلك الوثيقة حرمة قتل المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، إلا أن اليهود لم يحترموا تلك القواعد في حروبهم، والتي تميزت بالعنف والقسوة، ولم تراعي تلك القيود وتلك الضوابط في الواقع، فلم تعرف اليهودية عبر تاريخها في شتى حروبها أي تفرقة بين المدنيين المسالمين وبين المقاتلين، منذ القدم. ([34])
       وما مجزرة دير ياسين ببعيد، حيث أباد اليهود كل أهالي القرية جميعهم في اليوم التاسع من أبريل 1948م ، ولم يرحموا طفلاً، ولا شيخاً، ولا إمرة، ولا شجراً، ولا بيتاً .([35])  فاليهودية قد أباحت الحرب، ومجدتها ولم تضع أي قيود على ممارستها، أو على أساليب القتال، أو  مع الأسرى فكل شيء مباح عندهم، وكل ما يترتب عليها من دمار، وخراب كذلك مباح. فالرب عند اليهودية هو رب الانتقام.([36])  فاليهودية في الواقع العملي لم تراعي أي حرمة فأعطوا لأنفسهم الحرية الكاملة في أن يذبحوا من يشاء، ويأسروا من يشاء من الأطفال والنساء والشيوخ، فلم تحل حلالا، ولم تحرم حراما. ([37]) فالمتصفح لتاريخ اليهودية، منذ القدم ليجدهُ إناءًا ينضح بالخبث، والمكر والخداع  في جميع المعارك التي خاضتها مع مصر، ولبنان، ومع الفلسطينيين في كل وقتٍ وحين مستخدمين كل الأسلحة الحديثة والفتاكة ضد المدنيين العزل الفتيان، والشيوخ، والأطفال، والنساء ولم يراعوا حرمةً  للأماكن المقدسة، فاعتدوا عليها، وكان آخر اعتداء على باحة المسجد الأقصى، في الثاني من أبريل 2004م  وأثناء خروج المصلين ، مما أدى إلى قتل بعض من المصلين، وجرح أخريين، وقبلها الاعتداء على كنيسة المهد وحصارها، وقتل عدد من الفلسطينيين المحميين بالكنيسة، واعتدائهم على من لا حول له ولا قوة من العجزة كالشيخ الشهيد أحمد ياسين، واغتياله بعد أدائه لصلاة الفجر([38])  وإلى الآن يستمر اليهود في التفنن لإبادة شعب كنعان( فلسطين) فأسرفوا في القتل والنهب والتخريب واستمتعوا بتلك الأعمال الوحشية والفظيعة والتي لا مثيل لها في الحروب عبر التاريخ  تجاه شعب فلسطين الأعزل، وفي لبنان حيث قتلت النساء والأطفال وهدمت المنازل والجسور والطرق،وارتكبوا
مجزرة جديدة في قانا في صباح يوم الأحد الموافق 30 من يوليو 2006 راح ضحيتها أكثر من ستون مدنياً منهم 37 طفلاً، فهذه الأعمال تعد بحقٍ دروس في الانحطاط والخسة والمكر والفساد لراغبي الدمار، والتخريب، والتشريد، والقتل والتحريق، وفنون العنصرية على مرّ التاريخ . ولا عجب إذ يصف اليهود أنفسهم فيقولون بأنهم مبعث الخراب والدمار والتضليل في العالم ولا شيء  يصنعهم غيرنا.
     ويدّعون أن الرب يأمر أتباعه منهم بقتل الكبار والصغار حتى الرضع والحيوانات الأليفة، وكل شيء في المدينة  فقال صموئيل لشاوُل : " أن الرب أرسلني لأنصبك ملكاً على إسرائيل ... فأذهب الآن وهاجم عماليق واقض على كل مالهم. لا تعف عن أحد منهم بل اقتلهم جميعاً رجالا ونساءً ورضعاً بقراً وغنماً جمالاً وحميراً " سفر صموئيل الأول الإصحاح الخامس عشر.([39])  وهذا يشوع خليفة موسى يرتكب مجزرة في مدينة أريحا فقتلوا رجالها ونسائها وجميع الشيوخ والأطفال حتى الحيوانات، ثم نهب جيشه الذهب والفضة والمعادن وأخيراً حرقّوا المدينة. حيث جاء في سفر يشوع ما نصه " فهتف الشعب ونفخ الكهنة في الأبواق. وكان هتاف الشعب لدي سماعهم صوت نفخ الأبواق عظيماً فانهار السور في موضعه فاندفع الشعب نحو المدينة كلٌّ إلى وجهته واستولوا عليها، ودمروا المدينة، وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير".([40])
       وبعد ما سبق فمن العسير القول بأن الديانة اليهودية قد عرفت أي نظام قانوني في الممارسة الفعلية عبر تاريخها وحتى الآن لحماية المدنيين وأعيانهم المدنية من ويلات الحروب المدمرة بل كان العصف والدمار للجميع مقاتلين وغير مقاتلين على حد سواء. ([41]) كما أنهم لم يراعوا أي حرمة لأماكن العبادة ، كما لم يرحموا المسالمين من المدنيين الذين لم يحملوا سلاحا من العمال والتجار  والصناع ونحوهم، بل مارسوا كافة أساليب المكر والخداع والحرب والدمار لتحقيق أهدافهم المزعومة.
      ويرجع السبب في عدم احترام اليهود للقواعد الإنسانية الخاصة بحماية المدنيين هو أنهم كانوا ينظرون إلى غيرهم من شعوب العالم نظرة احتكار وازدراء  فكانوا يميزون في المعاملة بين شعبهم وبين غيرهم من الشعوب، كما كانوا يفرقون في المعاملة بين الشعوب الصديقة والشعوب غير الصديقة فكانوا يستحلون قتل النساء والأطفال والعجزة وتدمير مساكنهم وممتلكاتهم، كما كانوا يحترمون المعاهدات التي أبرموها مع الدول الصديقة دون بقية الشعوب([42]) وصدق الله العظيم إذ يقول فيهم" لُعنَ الذَينَ كَفَروُا من بني إسرائيلَ على لِسانِ داود وعيسَى ابن مَرْيَمَ ذَلك بم عَصَواْ وكانوا يَعْتَدونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" [ سورة المائدة الآية 78، 79] .  فاليهود يدعون إلى عكس ما تدعوا إليه مبادئ العدالة والإنصاف والأخلاق فهم يأمرون بإبادة المدن المهزومة عن آخرها وقتل جميع ما فيها بحيث لا تبقي على أي حياة، بل تأتي على الأخضر واليابس، ولا ينجوا من بطشهم حتى البهائم"([43])











المطلب الثالث
قواعد حماية المدنيين
و
الشريعة المسيحية
      إذا كانت اليهودية لم تفرق في حروبها بين المقاتلين والمدنيين، فإن الشريعة المسيحية قد عرفت تلك التفرقة حيث أنها لم تعترف بالحرب الشاملة، التي بمقتضى حرمتها يتم تحديد الطوائف الذين لهم الحق في الاشتراك في القتال، وبالتالي إبعاد ما عداهم من مدنيين خارج الجيش المحارب حتى يكونوا بمأمن من أعمال القتال. ([44]) فالمسيحية في العصور الأولى كانوا يتحرزون تحرزا شديدا من الانخراط في سلك الجندية وأن من دخلها منهم مضطرا كان من الواجب علية، ألا يسفك دم أحد، وإلا كان جزاؤه الطرد من حظيرة الدين، فكان طابعهم التواضع والسلام، وكان شعارهم ليس فقط" أحب لجارك ما تحب لنفسك " بل أحب عدوك وصل لمن يضطهدك، أو بعبارة أخرى " من ضربك على خدك الأيمن فدر له خدك الأيسر"([45])
      وعلى أثر انقسام الإمبراطورية الرومانية، إلى إمبراطورية غربية، وأخرى شرقية بعد خضوعها لإمبراطور واحد من المحيط الأطلسي في الغرب إلى نهري دجلة والفرات في الشرق، فبعد هذا الانقسام ظهرت المسيحية فعملت الكنيسة الكاثوليكية من جديد على توحيد الشعوب المسيحية
فنشب نزاع بينها وبين الأباطرة([46]) مما دفع بالعديد من المفكرين من رجال الدين لبذل العديد من المحاولات بهدف التوفيق بين دعوة المسيحية للسلام وانخراط المسيحيين في صفوف الجيش، وكان على رأس هؤلاء المفكرين القديس "أوغسطين" والذي وضع نظرية( الحرب العادلة) لتحقيق هذا الهدف الذي يجمع بين دعوة المسيحية للسلام وبين بقاء المسيحيين في صفوف الجيش، تلك النظرية التي وضعت من ضمن شروطها ضرورة أن يتبع المحاربين القواعد الإنسانية في معاملة الأسرى والنساء والأطفال والشيوخ، ورجال الدين وكذلك ضرورة وقف القتال في أوقات محددة مثل يوم الصوم الأكبر وقبل عيد الميلاد ومن يوم السبت حتى الأربعاء من كل أسبوع باعتبار أن هذه الأوقات هدنة من الإله. ([47])
   ثم جاء فجان بودان من عام (1530- 1596 ) فجاهد من أجل إخضاع التصرفات الصادرة عن الدولة لقواعد الأخلاق والقانون، على الرغم من أنه من أشد المدافعين عن مبدأ سيادة الدول وهو ما يعبر عنه بفكرة تحقيق العدالة في المجتمع. ([48]) وكان أول من جاهد من أجل التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين لحمايتهم وأعيانهم من ويلات الحروب التي لم تفرق بين المحارب وغيره هو رجل الدين الأوربي الكاردينال " بيلارمان" من سنة 1542 وحتى 1621 حيث أصدر كتاب تحت عنوان "المبادئ الطبيعية للدين المسيحي" جاء فيه أن غير القادرين على الحرب من القصر والنساء والشيوخ والعجزة وغيرهم، يتعين عدم المساس بهم لأن الدوافع الإنسانية تدعونا لعدم قتل أولئك الذين لا يستطيعون القتال، وأن رجال الدين والأجانب والتجار والفلاحين الذين يزرعون أراضيهم يجب عدم أسرهم تمشيا مع أعراف جميع الأمم"([49])
      ثم جاء (غروشيوس) فقام بتأليف كتابه المعروف بـ قانون الحرب والسلم 1623، 1624 على أثر التجربة المفزعة لحرب الثلاثين عاماً الدينية التي اجتاحت أوربا، فرأى - غروشيوس - وجوب مراعاة بعض القواعد التي تضبط سلوك المحاربين والتي يجب مراعاتها لاعتبارات إنسانية ودينية واعتبارات أمن وسلامه، كما رأى أنه لا يصح قتل المهزوم إلا في حالات استثنائية، كما لا يجوز تدمير الملكية إلا لأسباب عسكرية ضرورية. ([50])
      فالشريعة المسيحية وإن نصت على مراعاة تلك الضوابط والآداب في حروبها بل واجتهدت في تقنيين هذه المبادئ في مؤلفات لكبار الكتاب إلا أنهم لم يراعوا تطبيقها في الواقع العملي، وما الحملات الصليبية ببعيد حيث يحدثنا التاريخ بالويلات التي خلفتها تلك الجيوش من دمار وخراب وسفك للدماء لدرجة أنه لم يسلم منها مسيحيوا الشرق.


المطلب الرابع
قواعد حماية المدنيين
 في
 الشريعة الإسلامية
      لم تعرف الشريعة الإسلامية الغراء مصطلح " القانون الدولي الإنساني" لا في القرآن الكريم ولا في كتب السنة ولا في كتب التراث الإسلامي، ومع ذلك فقواعد الدين الإسلامي الحنيف ترتكز في جملة مبادئها على الالتزام بالأخلاق الكريمة، بل تعتبرها قواعد ملزمة لا يجوز الإخلال بها أو الخروج عليها، وإلا تعرض منتهكها إلى عقاب الله تعالى، فهو يعتبر جميع الناس أخوة في الإنسانية على اعتبار أنهم جميعا من آدم وحواء قال تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم )[ سورة الحجرات الآية [13]  ([51])
      الشريعة الإسلامية تمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين.
       فلقد طبقت الشريعة الإسلامية قواعد القانون الدولي الإنساني منذ قرون عديدة فخاطبت المجتمع المسلم بكل فئاته، وأوجبت عليهم العقاب الدنيوي والأخروي قبل أن يخاطبه القانون الدولي بأربعة عشر قرناً من الزمان. ([52])
       فنهى عن مقاتلة من لا يقاتل، وكذلك عدم مقاتلة من ألقى السلاح، وقتل الرهبان ورجال الدين وهدم الصوامع والبيع والتخريب. ([53])  فالشريعة الإسلامية قد فرقت بوضوح بين المقاتلين وغير المقاتلين بل لم تبح توجيه أعمال القتال لكل المعتدين، وإنما قيدته بعدم توجيه أعماله إلا إلى المحاربين منهم فقط، كما حرمت قتل الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يساهمون في أعمال القتال. ([54]) فلا توجه أعمال القتال إلا للمقاتل القادر على حمل السلاح أو الذين تم إعدادهم لهذا الغرض فقط أما الأشخاص المدنيين الذين لم يتم إعدادهم للقتال، أو لم تؤهلهم طبيعتهم لذلك الغرض لضعفهم، أو لم يكن من المدبرين، أو المخططين فإنهم يكونوا بمنأى عن القتال. ([55])
      فهذا الرسول (r) يأمر قواد الجيوش بعدم قتل الأطفال والنساء والولدان والشيوخ فيقول : " انطلقوا باسم الله، وعلى بركة رسوله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا وأصلحو وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " وهذا أول خليفة لرسول الله (r)أبي بكرٍ الصديق (t) بعد أن انهزمت قريش في بدر أمر بدفن موتاهم احتراماً للإنسان حياً أو ميتاً، كافراً أو مشركاً، وكان يأمر أول أمير للجيش في عهده وهو أسامة بن زيد فيقول له " لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تقطعوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرةً، ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له " وهذا الخليفة عمر بن الخطاب(t) يوصي قواده فيقول: قاتلوا ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين….. ولا تقتلوا هرماً ولا
امرأةً، ولا وليداً، وتوَقوا قتلهم إذا التقى الفرسان، وعند حمة النبضات، وفي شن الغارات، ونزهوا الجهاد من عرض الدنيا …."  وروى مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشاً إلى الشام فقال: ليزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع " وإنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وإني أوصيك بعشرٍ : لا تقتل امرأةً، ولا صبياً، ولا كبيراً، ولا هرماً، ولا تقطف مثمراً، ولا تخربنَّ عامراً، ولا تعقرنَّ شاة، ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقنَّ نخلاً، ولا تغرقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبن " فالحرب في الإسلام متسمة بالرحمة والفضيلة، فإذا تعينت الحرب، كان لا بد من الالتزام بجملة من الآداب لا بد من مراعاتها والعمل في حدودها. ([56])
        فنجد أن الإسلام قد أوجب الحماية على كل المستضعفين من النساء، والولدان، والشيوخ والمسالمين، بل وأوجب عدم التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم، وحمايتهم من القتل والفتك والتشريد، فقد روي عنه(r) أنه كان يغضب أشد الغضب إذا علم أن جنده قتلوا صبياً أو طفلاً أو امرأةً، فقد عنف الرسول(r) خالد بن الوليد عندما مرًّ بامرأةٍ قتلها فقال النبي الكريم (r) لبعض من معه " أدرك خالداً فقل له أن رسول الله ينهاك أن تقتل وليداً، أو امرأةً، أو عسيفاً " ولما علم بأن جنده قتلوا طفلاً في أرض المعركة، وقف يصيح في جنده " ما بال أقوام جاوز بهم الحد حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية" ([57])
      فقد وضع الرسول (r) قاعدة مؤداها" ألا يقاتل غير المقاتل" بالرسالة التي أرسلها إلى خالد بن الوليد، والتي جاء فيها " أنه لا يصح قتل العسفاء وهم العمال الذين يزرعون الأرض ويرعون المواشي" ولقد أكد هذا المعنى أيضاً الخليفة عمر بن الخطاب(t) بعزله لخالد بن الوليد عندما رأى كثرة قتلاه من جيش الأعداء، وولى مكانه أبا عبيدة بن الجراح ثم قال " إن سيف خالداً لرهقاً " ([58])
     الشريعة الإسلامية تسعى لحماية المدنيين والمحاربين من الجانبين حقناً للدماء.
       فقد ذهبت الشريعة الإسلامية لأكثر من مجرد النهي عن قتل من لا يقاتل، ففي البداية أخذت كافة السبل لمنع وقوع الحرب لحقن دماء الجميع المدنيين والمحاربين من الجانبين، فأوصت بقبول كل الشروط التي يعرضها المخالفون ما دامت تؤدي إلى صيانة الحرمات وحسن العلاقات بين الجانبين، ومن أمثلة هذا المسلك، تلك المعاهدة التي وقعها الرسول الكريم (r) بنفسه مع قريش في عام الحديبية، وأوجبت على المسلمين بوجوب تنفيذها بدقة وأمانة حتى مع الوثنيين فقال تعالى : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ن الله يحب المتقين " وعندما تفرض الحرب على الدولة الإسلامية فقد وضعت عدة ضوابط، وقواعد عملية يجب إتباعها لتخفف من أهوالها، وتحدد بإنصاف ما يقتضيه الموقف الدفاعي البحت فنهى عن قتل المرآة في بيتها، والراهب في معبده والفلاح في مزرعته، وبالجملة فقد حصر الإسلام الحرب في ميدان الحرب ولا يتعداه، حماية لجميع المدنيين المسالمين، فقال تعالى" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " ([59])

      ولكن ما الحكم لو تترس غير المسلمين من الأعداء بالمدنيين المنهي عن قتلهم كالنساء والأطفال والشيوخ الفانيين، فهل يباح قتلهم أم لا ؟ ولقد وجد من الفقهاء من يقرر قتلهم في حالتين: ([60])
الحالة الأولى: قتل النساء والأطفال والشيوخ الفانيين إذا شاركوا في أعمال القتال بصورة مباشرة بشرط أن يقتلوا وهم مقبلين على القتال فقط فإن أدبروا فيجب الإعراض عنهم .
الحالة الثانية: جواز قتلهم أيضاً إذا تترس بهم الأعداء حفاظاً على أرواح المقاتلين من أبناء الأمة الإسلامية.
      إلا أن هناك رأي معارض مؤداه عدم قتلهم بأي حال من الأحوال: فقد نقل الإمام الأوزاعي والإمام مالك إجماع فقهاء المسلمين بحرمة قتل النساء والأطفال والصبيان من الأعداء حتى ولو تترس بهم الأعداء لأن ذلك من قبيل الفساد مستدلين بقوله تعالى: في سورة البقرة " وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" وبقول الخليفة عمر(t)عندما جعل ذلك من قبيل الفساد في ديار الأعداء والله لا يحب الفساد. ([61])
       الرأي عند الباحث في هذه المسألة
      أن الأمر مرده في هذه الحالة متروك لقائد الجيش تحكمه المصلحة العامة من الجانبين بأن يوازن بين أمرين حماية المقاتلين من ناحية، وحماية الفئات المنهي عن قتلهم إذا تترس بهم الأعداء من ناحية أخرى، فإذا توقفت حماية الجيش على قتل الأعداء، ومن تترسوا بهم فللقائد قتلهم جميعاً، وإلا حرم قتلهم. فالإسلام قد منع قتل الشيخ الهرم الذي لا يطيق القتال، ولا ينتفع برأيه في القتال، وكذلك الشيخ الزمن لأن المبيح للقتل هو المحاربة والمقاتلة، وهي لا تتحقق هنا. ولأنه لا يستطيع أن يعين على القتال فلا يجوز قتله كالمرآة والصبي. أما إذا شاركوا في القتال والأعمال الحربية بما لهم من خبرة في القتال وفي وضع الخطط الحربية وتسيير الجيوش بما يحقق لهم الغلبة على عدوهم، فيباح قتلهم أسوة بما فعل الرسول مع " دريد بن الصمة" الطاعن في السن والذي أشار على قومه بأن ينزلوا في وادٍ بين جبلين بما يحقق لهم عنصر المفاجئة في الحرب على المسلمين، فأمر الرسول الكريم (r) بقتله فبعث أبا عامر على جيش أوطاس فقتله. ([62])  فالإسلام قد وضع قيوداً لتهذيب سلوك المحاربين مقتضاها ألا يقاتل إلا من يقاتل في الميدان، أو يكون له رأي وتدبير في القتال. ([63])

     النهي عن توجيه الأعمال الحربية إلى الأعيان المدنية.
     وكما نهى الإسلام عن قتل المستضعفين من النساء والولدان والشيوخ الفانيين والمدنيين المسالمين والرهبان ورجال الدين، فقد نهى عن الاعتداء على الأعيان المدنية وتخريبها.  فقد نهى عن قطع الأشجار المثمرة، والنخل وعدم تخريب كل عامر، وعدم عقر الشياة والأبقار وعدم هدم الصوامع والبيع كما سبق بيانه.([64])
      فالإسلام قد أنكر حروب التخريب والتدمير، وحروب الفتح والتوسع والاستعلاء فقال تعالى : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبةُ للمتقينَ"[الآية 83 من  سورة القصص] كما حرم الإسلام حروب التشفي والانتقام للإساءات الأدبية فقال تعالى: " ولا يجرمنكم شنئانُ قومٍ أن صدُّوكُْمْ عن المسجد الحرام أن تعتدُوا وتعاونُوا على البر والتقوى ولا تعاونُوا على الإثم والعدوان" [الآية رقم 2 من سورة المائدة]. فالأخوة الإنسانية التي أرستها مبادئ الشريعة الإسلامية ألا يتجاوز المسلمون أثناء النزاعات المسلحة الضرورة العسكرية، وأن يعاملوا خصومهم أيا كانوا معاملة إنسانية، وأن يوفروا لهم الحماية اللازمة لحماية المدنيين وأعيانهم المدنية. ([65])
      عدم الاعتداء على أماكن العبادة.
      كما حث الإسلام أتباعه على عدم المساس بأماكن العبادة، وهذا واضح من موقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من " كنيسة يوحنا " بدمشق حينما هدم الوليد بن عبد الملك جزءًا كبيراً من الكنيسة ليقيم عليها المسجد الأموي المشيد، فلما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة شكا إليه نصارى دمشق ما حدث لكنيستهم فأصدر أمره بهدم هذا الجزء من المسجد وإعادة الأرض التي أقيم عليها إلى الكنيسة. وبعد ما تقدم ذكره يمكن القول بأن الشريعة الإسلامية قد عرفت مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين من المدنيين. ([66])
       وبالجملة فإن الحرب في الإسلام وإن أبيحت كاستثناء من الأصل العام وهو السلم في علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول فإنها قد أحاطت المقاتل بمجموعة من الضوابط  نزلتها منزلة الواجبات لا بد من مراعاتها أثناء القتال منها: ([67])
      أولا: عدم بدأ الحرب إلا بعد الإعلان عنها. قال تعالى "وإما تخافنًّ من قومٍ خيانةً فانبذْ إليهم على سواءٍ إن الله لا يحبُ الخائنينَ" سورة الأنفال الآية [58]
     ثانياً : عدم قتل الأطفال والنساء والرهبان والشيوخ طالما لم يقاتلوا.قال تعالى"إلا المُستضْعفينَ من الرجالِ والنساءِ والولدانِ لا يستطيعون حيلةً ولا يهْتدُونَ سبيلاً" سورة النساء الآية[98]
     ثالثا ً: حماية المدنيين وعدم إساءة معاملتهم ما لم يتحصن بهم المحاربين من الأعداء فعند الضرورة يجوز قتلهم. فقال تعالى " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا … ) الآية وقال (r)لا تقتلوا ذرية، ولا عسيفاً)
     رابعاً: عدم التمثيل بجثث القتلى، فقال (r)" إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور " بل أمر بدفنهم سواءٌ أكانوا كفاراً أم مشركين، كما نهى عن تجويع المدنيين وتعطيشهم.
     خامساً: عدم التخريب والهدم للبيوت والممتلكات والمزارع ونحوهم من مصادر الرزق. حيث قال أبي بكرٍ لقائد جيشه " …. ولا تقطعوا نخلاً ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ، ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكله .."
     سادساً: النهي عن السلب والنهب لأموال العدو. حيث قال (r)"…. ولا تغلوا أي ولا تخونوا…"
     سابـعاً: عدم قتل أسرى الحرب، وحسن معاملتهم . قال تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً "
     ثامـناً: وجوب احترام العهود والمواثيق الدولية، التي تبرم أثناء القتال. حيث يقول: الرسول(r) من كان بينه وبين قوم عهد فليشد عقدته ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، وأن ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية بالناس "
     تاسعاً :  ألا يقاتل غير المقاتل.




المطلب الخامس
قواعد حماية المدنيين
في التنظيم الدولي الحديث
       فحتى القرن السابع عشر ومع ظهور القانون الدولي التقليدي، لم يكن هناك قيود على ممارسة أساليب القتال بين الدول المتحاربة سواء تلك التي أوردها المحاربين بالاختيار ابتدءا على تصرفاتهم بوقف أعمال السلب والنهب في المدن، ومنح النساء والأطفال نوعا من الحماية، أو تلك التي تختلج به نفوس الفرسان محاربي القرون الوسطى من مواساة الجرحى والمرضى ووجوب العناية بهم، وعدم جواز الإجهاز عليهم، وواجب عدم التعرض لغير المقاتلين المدنيين الآمينيين من مواطني دولة العدو. ([68]) 
      ومع تنامي المعاناة الإنسانية في جميع أنحاء العالم، بسبب النزاعات المسلحة التي يحرم فيها الأفراد من ممارسة أغلبية حقوقهم الأساسية، ولا يتمكنون معها من الاعتماد إلا على الحماية التي يمنحها لهم القانون الدولي الإنساني. ([69]) وأمام الصرخات التي نادى بها العقلاء من المفكرين والفلاسفة ورجال الدين سعت المجتمعات الحديثة إلى الدعوة إلى مراعاة وتطوير القواعد الإنسانية المتبعة في العصور المتلاحقة لحماية المدنيين، والحد من الآثار الناجمة عن الحروب وويلاتها، وحماية الأبرياء ممن لا حول لهم ولا قوة من النساء والأطفال والشيوخ، والزمنيين، والعمي، والعزل من الأسلحة المسالمين، وحماية ممتلكاتهم المدنية، وأعيانهم الثقافية، ومقدساتهم الدينية.
      وعلية لا بد من أن نوضح كيف نشأت قواعد القانون الدولي الحديث، لمعرفة الأساس القانوني للالتزام بحماية السكان المدنيين، حتى نتعرف على مدى قدرة تلك القواعد على حمايتهم بإلزام الأطراف المتصارعة بعدم توجيه أعمال حربية ضدهم.
         وبالتالي سنتناول هذا المطلب في الفرعين التاليين:
       الفرع الأول: نشأت قواعد القانون الدولي الإنساني الحديث.
       الفرع الثاني: الأساس القانوني للالتزام بحماية السكان المدنيين.      

الفرع الأول
نشأت قواعد القانون الدولي الإنساني الحديث
      على ضوء القواعد والمبادئ الدينية المستمدة من الأديان السماوية السابق ذكرها بدأ التفكير من جانب العقلاء من المفكرين والفلاسفة وكتاب القانون الدولي لتقنين هذه القواعد في قالب خاص، وبدأت هذه الإرهاصات الأولى تظهر فيما يعرف بقانون الشعوب ليحكم العلاقات بين الدول الأوربية، ثم انطلق ليحكم العلاقات بين دول العالم قاطبةً، واستمرت المحاولات من جانب المفكرين والفلاسفة، وفقهاء القانون الدولي حتى تمكنوا من عقد أول اتفاقية دولية مكتوية في جنيف عام 1864 تتضمن المبادئ  الإنسانية للقانون الدولي الإنساني.([70])
      ويعتبر بعض فقهاء القانون الدولي أن معاهدات (صلح وستفاليا) عام 1648 هي اللبنة الأولى للأساس التي قامت علية قواعد القانون الدولي الإنساني. ([71]) والتي أخذت العلاقات الدولية آنذاك منعطفاً جديداً يقوم على أساس التعاون والمشاركة والسلام بدلاً من السيطرة والإخضاع والتحكم التي كانت سائدة في العلاقات الدولية القديمة والوسطى، ولذلك تعتبر هذه المعاهدات وبحق حجر الأساس للقانون الإنساني، للأسباب التالية:
     أولاً: أنها هيأت للمجتمع الدولي لأول مرة الاجتماع في مؤتمر للتشاور في شؤونها وحل مشاكلها على أساس المصلحة المشتركة.
     ثانيـاً: أنها أقرت المساواة بين الدول المسيحية الكاثوليكية منها والبروتستانتية، ونزعت عنها نير السيادة البابوية.
     ثالثـاً : ساعدت على نهضة العلاقات الدولية بصفة دائمة بإنشائها نظام السفارات الدائمة بدلاً من السفارات المؤقتة.
     رابعاً: أخذت بفكرة التوازن الدولي كعامل أساسي للمحافظة على السلم في أوربا.
     خامساً: فتحت الباب أمام تدوين قواعد القانون الدولي العام، بتسجيلها في المعاهدات المقبلة تباعاً.
      إلا أن البعض الآخر يؤكد على أن ( معاهدات وستفاليا) لم تكن هي اللبنة الأولى لوضع قواعد القانون الدولي الإنساني: على طريق تحقيق السلم والأمن والاستقرار للعالم، كما أنها لم يكن الغرض
منها إعادة تنظيم العلاقات الدولية بين الدول الأوربية على أسس إنسانية جديدة، وإنما كان الغرض منها هو تحقيق الأمن والسلام في المنطقة الأوربية، وخاصة في بعض الإمارات الألمانية. ([72]) وإنما
اللبنة الأولى لحجر الأساس لقواعد القانون الدولي الإنساني الحديث هي ذاتها( قواعد القانون الدولي الإنساني) فهي أقدم بكثير من حقبة السبعينات (صلح وستفاليا) وأقدم بكثير من البلاغ الأمريكي المشهور حول قواعد الحرب البرية لعام 1863 ومن اتفاقية جنيف الخاصة بتحسين أحوال جرحى الحرب لعام 1864 ، فالفكر الإسلامي مثلاً لا يقر الحرب إلا كضرورة مفروضة، وقد ضبطت  بعدة قواعد  صارمة سبق ذكرها أكثر إنسانية، فليس للمحارب أن يقتل إلا المحارب، ولا يجوز له قتل المرآة أو الطفل أو الشيخ الفاني أو الأعمى أو القعيد ونحوهم، فالإسلام قد أرسى من القواعد التأصيلية النبيلة منذ مئات السنيين ما لم يصل القانون الدولي المعاصر إلى بعضاً منها حتى الآن. للأسباب التالية: ([73])
      السبب الأول: أن قواعد القانون الدولي التقليدي بدأت في الظهور في القرن السابع عشر 1648 ولم تكن هناك أي قيود على أساليب القتال بين الدول المتحاربة سوى تلك القيود التي أوردها بعض المحاربين اختياراً على تصرفاتهم.
      السبب الثاني: أن مبادئ الرحمة، وتجنب القسوة التي نادى بها الكتاب المسيحيين، والتي كان لها أثر كبير في تلطيف العادات الهمجية التي كانت متبعة وسائدة في الحروب كانت مأخوذة من مبادئ الشريعة الإسلامية.
      ولذلك فلقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية بأربعة قرون في إرساء مبادئ القانون الدولي الإنساني القائم على الأخلاق والفضيلة والمثل العليا، متضمناً كافة الأحكام المتعلقة بالقتال، ومعاملة الأسرى والجرحى والمدنيين، وفي وقت لم يكن فيه ضابط يحد من سلوك المتحاربين. ([74]) ولقد تعاقبت المؤتمرات والاتفاقيات الدولية في القرن التاسع عشر لتطوير القانون الدولي الإنساني، ولقد أسهم مؤتمر الوفاق الأوربي في مؤتمري عام 1832، وعام 1886. في تطوير الطابع الإنساني للعلاقات الدولية التي استندت إلى القواعد الإنسانية، وقواعد الأخلاق في العديد من المواقف الدولية ذات الأهمية الكبرى. ([75])  ولقد كان لهذه المؤتمرات العديدة الأهمية الكبرى في مراعاة الحقوق الطبيعية للإنسان، والتي بفضلها التزمت الدول بإلغاء تجارة الرقيق، وخاصة بعد اتفاقية برلين عام 1885 واتفاق بر وكسل عام 1890 . ([76])
     ومع نشأت القانون الدولي العام اهتم فقهاء القانون الدولي العام بتنظيم الحرب وتحديد أبعادها المختلفة حتى حفل القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بعدة مجهودات ومؤتمرات دولية بهدف  تقنين المبادئ التي استقر عليها الفقه والعرف الدوليين لتهذيب الحروب وكان من أهم هذه المؤتمرات مؤتمرات بروكسل في سنة 1874 ولاهاي في عامي (1899، 1907) سميت بمؤتمرات السلام والتي أسفرت في النهاية عن ميلاد عدة اتفاقيات دولية تحكم سير العمليات الحربية، ثم جاءت مؤتمرات جنيف التي قامت بها الحركة الدولية للصليب الأحمر الدولي بالإعداد لها منذ عام 1864 والتي أنتجت أربع اتفاقيات لتوفير أكبر قدر من الحماية الدولية لضحايا الحروب بصفة عامة.([77]) ومن المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني ( مبدأ صيانة الحرمات) فيجب للفرد حق احترام حياته وسلامته البد نية والروحية وخصائصه الشخصية في وقت السلم وفي وقت الحرب، ولا يختلف اثنان على أن الحق في الحياة هو أغلى ما يملك الإنسان، وإذا لم يمنح الإنسان حق الحياة فكل الحقوق الأخرى سوف تفقد قيمتها. ([78]) ومنذ بداية العصر الحديث : وقانون الحرب يقوم على تحقيق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية واعتبارات الضرورة العسكرية، حيث أن المبادئ الإنسانية قد دفعت للأمام بميلاد المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف واتفاقيات جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين في وقت النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، والآن وبعد هذه المجهودات أصبح اصطلاح القانون الدولي الإنساني يطلق اليوم للتعبير عن قانون الحرب. ([79]) 
      ولقد وضع الفقيه الاجتماعي (جان جاك روسو) المعيار الذي بمقتضاه يتم التمييز بين المحاربين وغير المحاربين حيث أكد على أن الحرب ما هي إلا علاقة دولة بدولة، وليست علاقة عداء بين المواطنين المدنيين إلا بصفة عرضية وبوصفهم جنوداً وليس بوصفهم مواطنين. ([80]) ولقد ثار الفقيه " بورتاليس" والفقيه" روسو" والفقيه تاليران" على نهج" جان جاك روسو" في الأخذ بالمعيار الذي قال به في التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين من المدنيين على اعتبار أن الحرب ما هي إلا علاقة بين الدول وليست علاقة عداء بين المواطنين المدنيين إلا بصفة عرضية بوصفهم جنودا، وطبق هذا الفقه في حروب القرن التاسع عشر وأصبح ينظر إلى الفصل بين المقاتلين وغير المقاتلين من المدنيين المسالمين بوصفه أعظم انتصارات القانون الدولي. ([81])
      فلم تظهر فكرة ضرورة مراعاة الاعتبارات الإنسانية في الحروب إلا في القرن الثامن عشر فبدأت تظهر فكرة الحرب لها قواعد وحدود لا بد من مراعاتها لحماية المدنيين في الحرب فأبرمت في تلك الفترة عدة معاهدات للصداقة والسلام بين المتحاربين كان من أهمها الاتفاق المبرم عام 1785 والذي تضمن عدة مبادئ تستهدف تعهد الأطراف المتحاربة بحماية الإنسان في الحرب أسفرت تلك الاتفاقيات عن ميلاد مجموعة من القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني من أهمها: ([82])
  - ضرورة تمتع المستشفيات بالحصانة وأن يكون عليها علم مميز عن أماكن القتال.
  - عدم اعتبار المرضى والجرحى من أسرى الحرب، وينبغي العناية بهم وإعادتهم إلى قواتهم بعد الشفاء.
  - ينبغي السماح بإرسال الأدوية والعلاج إلى خطوط القتال.
  - لا يجوز قتل أسرى الحرب وينبغي تبادلهم بعد الحرب.
  - لا يجوز الاعتداء على السكان المدنيين.
         ومع استقرار الدولة بشكلها القانوني الحديث خلال القرن الثامن عشر استقرت بعض القواعد العرفية والعادات المتعلقة بتيسير العمليات الحربية المتبعة آنذاك والناتجة عن كتابات " جروسيوس" في هذا المجال والتي كانت تتسم بالطابع الإنساني والتي تحتم على الدولة أن تراعي في حروبها الجوانب الإنسانية التي تخفف من ويلاتها وشررها وقد هاجم في مؤلفه " قانون الحرب، والسلام" نظرية الحرب العادلة آنذاك فألف كتاباً آخر نص فيه على عدة ضوابط لتهذيب سلوك المحاربين مستمدة من تعاليم الدين، والقيم الإنسانية مؤداها عدم قتل المهزوم الذي يستسلم أو يطلب الرحمة لأن قتله في مثل تلك الأحوال يتجاوز الهدف من الحرب، وعدم قتل الرهائن، وعدم تدمير الممتلكات إلا في الضرورة العسكرية. ([83])
      إلا أن هناك بعض الفقهاء يرجعون بداية الاهتمام بتدوين هذا الفرع من فروع القانون الدولي إلى ما قام به المفكر السويسري " هنري دونان" في القرن التاسع عشر من أجل حماية ضحايا الحروب مما كان إيذاناً بميلاد أول سلمة على الطريق الصحيح نحو تدوين القواعد الإنسانية لحماية المدنيين، أبان النزاعان المسلحة، فكانت اتفاقية جنيف الأولى لعام 1864. ([84])
      وقد أكد " فرانسيس ليبير" في مجموعة التعليمات التي وضعها عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر والتي أصدرتها في سنة 1863 لضبط سلوك جيوشها في ميدان المعركة عن أهمية تلك التعليمات في تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني والتي كان لها تأثير فعال على كل المحاولات التي بذلت لوضع تقنيين لقواعد الحرب سواء في شكل تعليمات للجيوش في الميدان، أو في القواعد التي تضمنتها إعلان بر وكسل لسنة 1874 وقواعد لاهاي لسنة 1899، 1907 بل وعلى القواعد التي تضمنتها اتفاقيات جنيف لعام 1949 فكانت لها أهمية فقهيه وعلمية كبيرة لدى المؤتمرين في بر وكسل ولاهاي واتفاقات جنيف.([85]) وإن كانت اتفاقية باريس المبرمة في 16 /أبريل / 1856 من أسبق النصوص القانونية المكتوبة في مجال القانون الدولي الإنساني والتي تضمنت قواعد معاملة المحاربين في الحروب البحرية. ([86])
      وقد حرص " بلنتشي" وهو بصدد تقنينه لقواعد القانون الدولي عام 1868 على احترام المبدأ الذي يدعو إلى التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين والذي اشترط أن يكون المحاربين هم الذين يخضعون لتنظيم الدولة ويعملون تحت لوائها حتى ينعتون بوصف المقاتلين، ولقد استقر هذا المبدأ في
ظل نظرية الحرب كـأساساً لحماية المدنيين المسالمين، والعمل على تجنبهم ويلات الحرب وشررها. ([87])  
      وقد رأي أستاذنا الدكتور : سعيد سالم جويلي : أن الفضل في إرساء قواعد القانون الدولي الإنساني في فترة القرن التاسع عشر في أوربا يرجع إلى شخصين هما " هنري دونان، وفرانسيس ليبير"  وإن لم يكن هما اللذان أسسا مفهوم الحماية القانونية لضحايا الحرب، ولكن الفضل يرجع إليهما في توجيه الأنظار إلى الكتابات التي جاء بها "جان جاك روسو" في كتابه العقد الاجتماعي، والذي يشير إلى ضرورة المعاملة الإنسانية للضحايا، وعدم قتل الأفراد العزل من السلاح. ([88])  فكانت الحرب عند " جروسيوس" عبارة عن عداء مستحكم بين كل أفراد مواطني الدول المتحاربة، فقد كان يتم إعلان الحرب ضد كل فرد من رعايا الطرف الثاني بصفته الفردية حتى النساء والأطفال والعجزة والمرضى فلكل فرد من أفراد الأطراف المتصارعة الحق المطلق في ارتكاب أعمال قتالية ضد عدوه سواء أكان جندياً أو مدنياً. ([89])
       وتأتي الأهمية الكبرى لتفعيل دور القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين، وممتلكاتهم لعدة أسباب وهي :
      السبب الأول: تنامي الحروب المسلحة الدولية وغير الدولية في العالم بأسره مع استخدام الأسلحة الفتاكة بأنواعها المختلفة.
      السبب الثاني: الفلسفة السائدة بين الدول الكبرى، والقاضية بعدم المساواة بينها وبين الدول الأخرى ولا أدل على ذلك مما يقرره البعض من القول باستحالة تساوي الدول جميعهم أمام القانون، حيث قال" استيورات ميل" باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية، وفي ظل تصنيف" لوريمير" العالم إلى ثلاثة مناطق تخضع كل منهم لقانون مختلف فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع بحقوق سياسية كاملة، والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزاما قانونياً، حتى جاء عهد عصبة الأمم فأقر ذلك التقسيم الثلاثي، وأكسبه سلطة القانون. ([90])
      السبب الثالث : الازدواجية في المعاملة بين الدول في الثواب والعقاب من قبل المنظمات الدولية، في الأوضاع المتماثلة، ومقتضى ذلك أن يتم إتباع سلوك متأرجح وغير ثابت للمنظمات الدولية في التعامل مع المجالات الأساسية للقانون الدولي بقبول بعض التصرفات تارة، ورفضها تارة أخرى أي الحكم بالمشروعية وعدم المشروعية على الأوضاع المتماثلة، وبمعنى آخر تتحقق الازدواجية بتطبيق القاعدة على واقعة معينة، ويطبق الاستثناء على واقعة متماثلة مما يترتب على ذلك تضارب في المعاملة بين الأوضاع المتماثلة. ([91])
    ولقد أثبت الفقيه الدولي " البارون ميشيل دي توب" أن الإسلام دين الرحمة وأن الرحمة بالمحاربين وتجنيب غير المحاربين ويلات الحرب، من النساء والزراع والشيوخ والأطفال، وعدم تخريب أملاك العدو، كل هذه المبادئ من قواعد القانون الإسلامي التي أثرت في القانون الدولي المعاصر. ([92]) فالاجتهادات الإنسانية المبذولة للحد من آثار الحروب وويلاتها على اختلافها سواءًا من جانب الأديان السماوية المسيحية، والإسلامية أو من خلال كتابات الفقهاء القانونيين والسياسيين ترتب عليها وضع خطوة على قدر من الأهمية على درب الاهتمام بتدوين قواعد القانون الدولي الإنساني وتقدمه، فالقانون الدولي الإنساني في هذا المجال يتألف من مجموعة القواعد الدولية التي تهدف إلى التخفيف من آثار المنازعات المسلحة على الأشخاص والممتلكات وقد تم التنصيص على هذه القواعد ضمن معاهدات واتفاقيات دولية يمكن تصنيفها إلى أربع مجموعات هي كالتالي:
- اتفاقيات من أجل ضحايا الحرب.
- اتفاقيات لحظر وتقييد استخدام بعض أنواع الأسلحة.
- اتفاقيات بشأن القضاء الدولي المتعلقة بقمع جرائم الحرب .
- اتفاقيات من أجل حماية بعض الممتلكات.
      واستجابةً لطلب المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي دعت إليه الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي عقد في طهران في الفترة ما بين 22 /أبريل وحتى 23 / مايو 1968 بشأن تأييد نضال الشعوب من أجل تقرير مصيرها فقد طلب المؤتمر من الأمين العام للأمم المتحدة أن يحس الدول على العمل لوضع قواعد جديدة لضمان حماية المدنيين بل والمقاتلين أبان النزاعات المسلحة وفقاً للقانون الدولي، وقد استجابت الجمعية العامة للأمم المتحدة وأصدرت توصياتها رقم 2444 في دورتها رقم(23) في 19 / ديسمبر 1968 دعت فيها الأمين العام للأمم المتحدة بعد استشارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المنظمات الدولية المعنية  بأن يقوم بدراسة:
     أولاً: ما يمكن اتخاذه لضمان أفضل تطبيق لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقياته المتعلقة بجميع المنازعات المسلحة.
     ثانياً: إمكانية وضع قواعد جديدة في إطار القانون الدولي الإنساني لضمان أفضل حماية للمدنين بل والأسرى والمقاتلين في كافة النزاعات المسلحة سواء في شكل اتفاقيات تكميلية أو أي شكل آخر ملائم. ([93]) 
      ولقد أثمرت تلك الجهود إلى ميلاد البروتوكولين الأول والثاني لاتفاقيات جنيف عام 1977 فالقانون الدولي الإنساني الحديث يشتمل على " قانون لاهاي، وقانون جنيف، ويشتمل قانون لاهاي على مجموعة القواعد القانونية التي أقرتها اتفاقيات لاهاي لعامي(1899، 1907) والتي تنظم حقوق
وواجبات المحاربين في إدارة العمليات العسكرية، وتهدف إلى الحد من أثار العنف والخداع بحيث لا تتجاوز الضرورة العسكرية: فقانون لاهاي يسعى في المقام الأول لإرساء قواعد فيما بين الدول بشأن استخدام القوة، في حين يسعى قانون جنيف إلى توفير الحماية والاحترام والمعاملة الإنسانية للأشخاص الذين أصبحوا خارج المعركة، وأولئك الذين لا يشتركون في الأعمال العدائية. ويشتمل قانون جنيف على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 الخاصة بحماية ضحايا الحرب واللحقين البروتوكولين المضافين إليها واللذين أقرا في عام 1977 بجنيف. ([94])

الفرع الثاني
الأساس القانوني للالتزام بحماية السكان المدنيين
        فالمجتمع الدولي دأب على إتباع عدة إجراءات تعهدت من خلالها الدول والحكومات بحماية المدنيين وممتلكاتهم أبان النزاعات المسلحة من القتل والتعذيب والتخريب وسائر الأساليب الأخرى، كما التزمت أيضاً بتقنيين تلك الإجراءات في قوالب داخلية لإتباعها ومع ذلك فلم تحدد الاتفاقات الدولية، أو إعلانات الحماية، إجراءات معينة يجب على الدول إتباعها وتقنينها في قوانينها الداخلية بل اقتصر الأمر على وضع المبدأ العام وتركت لكل دولة تقنيين هذا المبدأ حسب ما تقتضيه فلسفته التشريعية، ونظمه القانونية، والقضائية، بطريقة فعالة لتحقيق الحماية، ومقاومة التعذيب، وسوء المعاملة اللاإنسانية والحاطة بالكرامة. ([95])
       فلم يتخلى المجتمع الدولي عن وضع الضوابط التي يسلكها المحاربون أثناء القتال رجاء حماية المدنيين والتقليل من الويلات الجسيمة التي تخلفها الحروب، فالحق في الحماية والسلامة الإنسانية للمدنيين، والحق في الحياة بصفة عامة من المبادئ الأساسية في حقوق الإنسان العالمية بالنص عليها في:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948.
2- اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بشأن حماية المدنيين أبان النزاعات المسلحة 1949.
3- الاتفاقيات الدولية للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 .
4- البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني 1977 أللحقين لاتفاقية جنيف 1949
5- لجنة حقوق الإنسان التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
6- نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية. 1998
       فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان السابق في المادة الثالثة منه على أنه " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه " فمبدأ صيانة الحرمات، من المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني فيجب للفرد حق احترام حياته وسلامته البد نية والروحية، وخصائصه الشخصية في وقت السلم وفي وقت الحرب، فالحق في الحياة هو الأساس الذي ترتب علية كافة الحقوق الأخرى، وعند فقده فلا قيمة للحقوق الأخرى. ([96])  ولما كانت القواعد القانونية المنصوص عليها في لائحة لاهاي غير كافية لضمان الحماية اللازمة للفئة الأكثر تضرراً في الحرب، اجتهد المجتمع الدولي في البحث عن قواعد جديدة لمعالجة هذا الوضع، ولم يتوصل القانون الدولي إلى معالجة ذلك إلا بإبرام اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب 1949، إلى جانب الإضافات الهامة التي وردت في البروتوكول الأول لسنة1977. ([97])
      فقد نصت اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب في المادتين (146، 147) ([98]) على الحق في الحياة، وحماية المدنيين، حيث جاء في الفقرة الأولى من المادة(146) " أن تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية المبينة في المادة التالية …." وقد بينت المادة(147) هذه المخالفات بأنها تتضمن " أحد الأفعال التالية: إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية : القتل العمد، والتعذيب، أو المعاملة اللاإنسانية بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة وتعمد إحداث آلام شديدة أو الأضرار الخطيرة بالسلامة البد نية أو الصحة، والنفي، أو القتل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة للدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية " وقد عددت تلك المخالفات الجسيمة المادة(50) من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة(51) من اتفاقية جنيف الثالثة. ([99])
       وتشكل اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949 في الحقيقة حصناً وملاذاً للضحايا المدنيين زمن الحرب، ومما يدل على أهمية هذه الاتفاقية قرارات الأمم المتحدة بشأن الدعوة لانعقاد مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة في الاتفاقية الرابعة في 15 / يوليو عام 1999 للبحث في تفعيل تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، وتنص هذه القرارات على أن " تتعهدا لأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال " مما يؤدي ذلك إلى تحقيق طفرة كبرى في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني من ناحية بصفة عامة،  ومن ناحية أخرى احترام اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين 1949 بصفة خاصة. ([100])
       كما أن تلك الاتفاقية([101])  لا تقصر الحماية العامة على المدنيين فقط من سكان الدول المشتركة في القتال، بل تمتد الحماية على أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم من الجانبين، والذين أقصوا عن القتال بسبب المرض، أو الجراح، أو الحجز، أو أي سبب آخر، وتحرم الاتفاقية صراحةً ارتكاب أي من الأعمال الآتية ضد هؤلاء الأشخاص السابقين الاعتداء على حيا تهم، وسلامتهم الجسمانية بأية صورة من الصور، وتحرم أخذ الرهائن، كما تحرم الاعتداء على كرامة الأشخاص أو معاملتهم معاملة مهددة لاعتبارهم، كما تحظر فرض عقوبات عليهم وتنفيذها دون محاكمات سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً نظامياً ومحاطة بالضمانات القضائية الضرورية التي تقررها الشعوب المتمدينة، كما تلتزم الدول المتحاربة التي يكون هؤلاء الأشخاص تحت سلطانهم بمعاملتهم معاملة إنسانية دون تمييز مجحف بسبب الأصل أو اللون أو العقيدة أو الجنس أو المولد أو الثورة أو أي اعتبار آخر مماثل. وفقاً لأحكام المادتين(3 ، 13) من اتفاقية جنيف لحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب 1949.
      كما تنص المادة(6/1) من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على أنه " لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي " ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 قد ألزمت الدول الأطراف باتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة لحماية المدنيين في جميع الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف، ولا يجوز للدولة العضو الاحتجاج بأي ظرف استثنائي للتنصل من التزاماتها سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أم تهديد بالحرب أو عدم استقرار داخلي، أو أية حالة من حالات الطوارئ الأخرى، وفقاً لأحكام المادة الثانية من الاتفاقية. ([102])  
      فلا بد من توفير الحماية العامة للمدنيين بناءًا على النصوص السابقة، والحماية الخاصة للمدنيين الغير قادرين على حمل السلاح من الأطفال والنساء والمسنين بحكم عجزهم. فتوجيه الأعمال العدائية يجب ألا يوجه إلى المدنيين طالما أنهم لم يشاركوا في الأعمال الحربية طبقاً لمعيار المشاركة المميز للشخص المدني من المقاتل، والذي يعد من المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني خاصة بعد أن أصبح المدنيون هم الضحايا الأكثر تعرضاً لأبشع أساليب القسوة والوحشية، فتفعيل هذا المبدأ يؤدي إلى الحد من الآثار الضارة التي قد يتضرر بها مثل تلك الطوائف من المدنيين العزل، والذين لا يشتركون في الأعمال القتالية. ([103])
      وتقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة إضافة إلى دورها في القيام بالدراسات وإعداد مشروعات المواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بحماية المدنيين حال النزاعات المسلحة، فإنها تقوم أيضاً بمهمة أخرى مفادها رقابة تطبيق واحترام هذه الإعلانات والمواثيق على المستوى الدولي لحماية حقوق الإنسان من التعريض للقتل والتعذيب وسوء المعاملة، وسائر الوسائل المحرمة واللاإنسانية، وعن طريق المناقشات بين الدول الأعضاء ومراقبة حقوق الإنسان في العالم تصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراتها، وتوصياتها بهذا الشأن، وتطلب من مجلس الأمن بالتطلع بمسؤولياته التي يجب أن يقوم بها في هذا الشأن. ([104])  كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تنادي بحتمية تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بقرارها رقم 3074 (د- 28) في 3 / ديسمبر1973 والتي ينص على أن الجمعية العامة " عملاً بالمبادئ والمقاصد المبينة في الميثاق " الأمم المتحدة" والمتعلقة بتعزيز التعاون بين الشعوب وصيانة السلم والأمن الدوليين تعلن المبادئ التالية للتعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية"([105])
      وقد أنشأ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجنة حقوق للإنسان مهمتها تقديم المقترحات والتوصيات للمجلس ومساعدته في مقاومة التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية. وقد اقترحت لجنة حقوق الإنسان وهي بصدد هذا العمل بإنشاء آلية طوارئ تابعة لها لكي تتمكن من الاستجابة بصورة فورية ملائمة للحالات الحادة التي تنجم عن الانتهاكات القاسية والجسيمة لحقوق الإنسان في أي مكان توجد فيه. ([106])
       وفي نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية: نص في مادته الثامنة " اعتبار توجيه الهجمات عمداً ضد السكان المدنيين بحد ذاتهم، أو ضد الأشخاص المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، جريمة حرب. واستخدام الأسلحة العشوائية مثل القنابل الانشطارية في مناطق مأهولة بالسكان يمثل جريمة حرب أيضاً" وبناءًا على هذا النص " فالهجمات الترويعية" على السكان المدنيين، أو قصف المناطق قصفاً شاملاً، والتي بطبيعتها لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية محظورة, وإذا كان القصف للمدنيين متعمداً فإنه جريمة حرب. ([107])
الخاتمة
          ومع كل الأسس القانونية السابق ذكرها فما ذال أكبر قوة في العالم تقترف المخالفات القانونية في العراق بتلك الحرب الظالمة، والتي لا تستند إلى منطق أو قانون، حيث وصفها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي آنان بأنها " حرب احتلال " حيث أعلن خلال الدورة التاسعة والخمسين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المجتمعة في جنيف مؤخراً مطالبته لدول التحالف الأمريكي البريطاني بـ " تحمل مسؤولياتهما كقوة احتلال " تجاه المدنيين في العراق وباحترام معاهدات جنيف عن أسرى الحرب بدقة . إذْ قال : " آمل من كل قلبي أن يكون التحالف قدوة، وأن يعلن بوضوح عزمه على الالتزام بدقة بمعاهدات جنيف، وقواعد لاهاي بشأن أسرى الحرب بدقة، وأن يتحمل مسؤولياته كاملةً كقوة احتلال فيما يتعلق بالحفاظ على النظام العام، والأمن، وسلامة المدنيين في العراق " ([108]) مع العلم بأن الفقه الأنجلو أمريكي وإن كان قد رفض التفرقة بين المقالتين وغير المقاتلين على أساس أن
الحرب ما هي إلا علاقة عداء بين المتحاربين فهذا العداء يمتد إلى مواطنيهم المدنيين، فهو قد ميز بينهما على أساس أن صفة العداء هذه يجب ألا تمكنهم من حمل السلاح، كما لا توجه إليهم أعمال قتالية، مع حتمية توفير الحماية اللازمة لهم طالما أنهم لا يساهمون في الأعمال الحربية. ([109]) وقد حاولت " بيث أوزبورن دابونت " الخبيرة السكانية في مكتب إحصاء السكان الأمريكي، إظهار التقديرات الحقيقية في عدد الضحايا المدنيين في حرب الخليج 1991 إلا أن الحكومة الأمريكية سعت إلى طردها، لولا تدخل محامي اتحاد الحريات المدنية الأمريكي، فأعادوها إلى منصبها. حيث تقول : " دابونت" أرادوا منع إعلان الأرقام لأنني حللتها لأبين أن عدد القتلى حسب تقديراتي يتعدى 157 ألف عراقي قتلوا في الحرب، والأحداث التي أعقبتها مباشرةً، ويبدو أن الأرقام كانت بلا ريب محرجة سياسياً" ومهما كانت الأرقام، فالأكيد أن ما حدث بالعراق كان كارثة مريعة " الحرق وتقطيع  الأوصال، والموت اختناقاً، ودفن الأحياء وتمزيق الأجساد، والتسبب في الإصابة بالعمى، وغير ذلك " إذْ استخدمت آليات القتل المعروفة المتوقعة، وغير المتوقعة، كإطلاق الغبار المشع من قذائف اليورانيوم الناضب بكميات كبيرة: حيث يسبب عجز الكلية، ويؤدي إلى السرطان، وأمراض أخرى.([110])
      ومع هذه الحرب الظالمة على العراق وتلك الانتهاكات لكل القيم الإنسانية وكل الأعراف الدولية والقانون الدولي، واتفاقيات جنيف، فإن الولايات المتحدة برئيسها، ووزير دفاعها، وأركان حربها في حربها الأخيرة على العراق قد وقفوا أمام الكاميرات يستندون إلى معاهدات جنيف المتعلقة بأسرى الحرب عندما عرضت صوراً لأمريكان وبريطانيين على شاشات التلفزيون دون أدنى إساءة، عندها تذكروا أن هناك قانون يسمى بالقانون الدولي، وقد تناسوا أنهم عرضوا صوراً لأسرى مدنيين وعسكريين، وهم يعاملون بإذلال ومهانة على أيدي مجرمي الحرب في العراق، وفي أفغانستان، وفيتنام وفي معسكر الإرهاب الذي أسسته في غوانتنامو ولم تخجل حينما جردتهم من حقوقهم كأسرى حرب، واختلقت لهم مصطلحاً جديداً بأنهم " مقاتلين خارجين على القانون "  ([111])
     وهذا يدعونا إلى " ضرورة التصدي لتربية روح الاحترام  لقواعد القانون الدولي ومن بينها قواعد الحرب لنشر مبادئ تلك القواعد والضوابط والترويج لها وأن تدريس أصولها ليس فقط للمتخصصين العسكريين أو القانونيين، وإنما لجميع النشىء وفي جميع أقطار العالم حتى نتمكن من أن ينشأ جيل جديد يحترم قواعد القانون الدولي كاحترامه لقواعد القانون الداخلي، وما يمكنه أن يستشعر في قرارة نفسه الحاجة إلى الوفاء بتعهداته الدولية بمثل ما يفي بعقوده الخاصة، ولعل هذه التربية تثمر في اقتناع الأجيال المقبلة بعدم الدخول في حرب بينها مهما كانت الأسباب لأن الضمير الإنساني إذا ما استيقظ فإنه يأبى على نفسه أن يقتل الإنسان أخيه الإنسان، لا لسبب لا للمطامع أو الأهواء السياسية، والذاتية أو النزاعات القومية المتعصبة أو المكاسب الإقليمية الغير مشروعة"([112])
       وبناءًا على ما سبق فإن الاتفاقيات والمواثيق الدولية والإعلانات العالمية تمثل أساساً يبنى علية الحماية الدولية للمدنيين حيال النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وعلى الدول جميعها الالتزام بهذه الضوابط والآداب في حروبها العادلة إذا ما دعت الحاجة إليها حتى لا تخرج عن نطاق المشروعية إلى إطار العمل العدواني المجرم من قبل المجتمع الدولي. فحق الدفاع الشرعي، وحق تقرير المصير ضد الاحتلال والاستعمار الأجنبي يبيح استعمال القوة المسلحة عند الحاجة لدفع كل فعل يعتبر جريمة متمثلة في استخدام القوة، وهو غير مرخص لمجازاة شعب كامل أو القصاص منه أو لانتهاك أحكام القانون الدولي العام كما في أفغانستان والعراق مع التقييد بأحكام القانون الدولي العام. ويطبق القانون الدولي الإنساني مهما كان نوع النزاع دولياً كان أو غير دولياً ومهما كانت شدة النزاع المسلح، وأية دولة قررت خوض حرباً ما دون أن تخضع للقيود التي فرضها القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع ستكون منتهكة للشرعية الدولية وستجد نفسها موضع قرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ولا يجوز التذرع بالضرورة العسكرية في تجاوز القيود المقررة في القانون الدولي الإنساني لأن الضرورة العسكرية لا تبرر إلا أعمالاً هي نفسها قانونية.
      وغالباً ما تلجأ الدول المتحاربة أثناء النزاعات المسلحة إلى إتباع أساليب تستهدف الضغط على العدو وإجباره على الاستسلام، ومن بين هذه الأساليب، أسلوب التجويع الاقتصادي للمدنيين، والحظر الاقتصادي في البر والبحر والجو، مما يترتب علية أثاراً ضارة بالمدنيين والعسكريين على حدٍ سواء، مما أدى إلى إقرار قواعد قانونية لحماية المنشآت اللازمة لبقاء المدنيين لاستمرار حياتهم الطبيعية، ولذلك حرمت كافة صور الاعتداء المتوقع ضد هذه الأعيان اللازمة لبقاء الإنسان سواء تمثل الاعتداء  في صورة الهجوم أو التدمير أو النقل أو التعطيل. حيث نصت المادة(54) من البروتوكول الأول لعام 1977على ضرورة عدم توجيه الهجمات الحربية ضد المنشآت والأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين. ([113])  فحظرت المادة الأساليب التالية:
(1) يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.
 (2) يحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومثالها المواد الغذائية، والمناطق الزراعية التي تنتجها، والمحاصيل، والماشية، ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري. إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهم على النزوح أم لأي باعث آخر.
(3) لا يطبق الحظر الوارد في الفقرة الثانية على ما يستخدمه الخصم من الأعيان والمواد التي تشملها تلك الفقرة: (آ) زاداً لأفراد قوته المسلحة وحدهم. (بـ) أو أن لم يكن زاداً فدعماً مباشراً لعمل عسكري شريطة ألا تتخذ مع ذلك حيال هذه الأعيان والمواد في أي حال من الأحوال إجراءات قد يتوقع أن تدع السكان المدنيين بما لا يغني عن مأكل ومشرب على نحوٍ يسبب مجاعتهم أو يضطرهم إلى النزوح. ([114])
      ومن القيود التي لا بد منها لضمان تحقيق الحماية العامة للسكان المدنيين وبقائهم.أولاً: عدم توجيه هجمات الردع إلي الأعيان التي لا بد منها.
       فيحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثلها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق المياه وشبكات وأشغال الري " فحظر تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب وإنكار الماء على السكان المدنيين غير قانوني ، كما يحظر على الأطراف المتنازعة عدم اتخاذ أي إجراءات في أي حال من الأحوال حيال المرافق المائية قد يتوقع أن تدع السكان المدنيين بما لا يغني من مأكل ومشرب على نحو يسبب مجاعتهم أو يضطرهم إلى النزوح، فالضرورة العسكرية لا تمنح الجنود رخصة لتدمير مرفق مائي إذا كان لا غنى عنه لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة إلا إذا استخدم الماء في دعم مباشر لعمل عسكري هنا يجوز تدميرها، والهجوم علية وفقاً لأحكام المادة(14) من البروتوكول الثاني 1977 ([115])
      ثانياً: ومن القيود التي لا بد منها لضمان تحقيق الحماية العامة للسكان المدنيين: عدم توجيه                                        هجمات الردع للأشغال الهندسية والمنشآت المحتوية على قوة خطرة: فحظر البروتوكول الأول لعام 1977 توجيه أعمال عدائية ضد الأشغال الهندسية والمنشآت التي تحوي قوى خطرة شأن السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، ولو كانت أهدافاً عسكرية لما يترتب على ذلك من كوارث وخسائر لا حصر لها في الغالب فنصت المادة (56/4) على أنه يحظر اتخاذ أياً من الأشغال الهندسية أو المنشآت أو الأهداف العسكرية المذكورة في الفقرة الأولى هدفاً لهجمات الردع، وجاءت المادة (15) من البروتوكول الثاني لعام1977 لتؤكد على هذه الحماية حيث نصت على" أن لا تكون الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة ألا وهي الجسور والسدود والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية محلاً للهجوم حتى ولو كانت أهدافاً عسكرية إذا كان من شان هذا الهجوم أن يتسبب في انطلاق قوى خطرة ترتب خسائر فادحة بين السكان المدنيين. ([116]) فالحماية العامة للسكان المدنيين تقوم على أساس المبدأ العام الذي يحرم توجيه العمليات الحربية ضد السكان المدنيين من الطرفين سواءً الهجومية أو الدفاعية. ([117])  وفي حالة توجيه أعمال عدائية نحو المدنيين
مما يتسبب في إحداث وفيات وإصابات خطيرة يعد ذلك جريمة حرب طبقاً لنص المادة (51/2) من البروتوكول الأول حيث جاء فيها أنه لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا، وكذا الأشخاص المدنيون محلاً للهجوم، وعندما تشن هجمات على هذا النحو عمداً وتسبب وفيات أو إصابات خطيرة تعد انتهاكات خطيرة " للقانون الدولي الإنساني " ومن ثم يعد جريمة حرب. فنص المادة(51) من البروتوكول الأول جاءت مكملة لأوجه النقص في اتفاقية جنيف الرابعة، وعلى وجه الخصوص الباب الثاني منها، والمتعلق بالوقاية العامة للسكان المدنيين ضد بعض عواقب الحرب، والتي لم تتضمن قواعد للحماية العامة للسكان المدنيين بالإضافة إلى أن المادة (51) جاءت موسعة لمجال الحماية العامة ومجال تطبيقها. ([118])
      وفي الحرب الأمريكية على العراق فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تلتزم بالحماية المقررة والأعيان المدنية فعمدت إلى قصفهم وقتلهم بالطائرات والقنابل العنقودية والإشعاعية راح ضحيتها المئات من الأطفال والنساء ودمرت بيوتهم على رؤوسهم في الفالوجة والسمراء وتل عفر والنجف وبعقوبة وغيرها من المدن العراقية الصامدة ووفقاً للقانون الإنساني فإن أمريكا ارتكبت وترتكب في العراق أعمالاً إجرامية في انتهاك صارخ للقانون الدولي والمواثيق الدولية والقيم الإنسانية وقد أكدت القرارات والإعلانات والعهود الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة على أن الحاجة إلى السلام حق أساسي من حقوق الإنسان وأن أي انتهاك للحق في السلام هو انتهاك آخر للقانون الدولي. والآن وبعد ما فشلت أمريكا بالالتزام بهذا الحق وحمايته عمدت إلى جعل العراق البلد الأكثر خطورة في العالم وعززت الانفلات الأمني بممارستها الخاطئة وزعزعت الاستقرار وأباحت لقواتها قصف الأحياء المدنية بالطائرات الأكثر تطوراً واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً كالقنابل العنقودية والإشعاعية راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين العزل بين قتيل وجريح ممن لا حول لهم ولا قوة وذلك في انتهاك فاضح للقانون الدولي يصل إلى مرتبة جريمة الإبادة الجماعية. ([119])
      وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أبريل 2003 بقتل عدد من الأبرياء والمدنيين العزل نتيجة الهجوم العشوائي التي شنته على مدن في بغداد والبصرة والناصرية والنجف الأشرف، والأحياء السكنية كالشعلة والكرازة، وسوق الشيخ، بإلقاء القنابل العنقودية والانشطارية والقنابل الفتاكة، وصواريخ الكروز والتوماهوك، وسائر أسلحة التدمير الشامل على الأحياء المدنية وعلى مبنى التليفزيون العراقي وعلى وزارة الإعلام، ومراكز تموين الأهالي الغذائية، وشبكات الماء والكهرباء. ([120])
       والآن وبعد التطور المتلاحق السابق ذكره في قواعد الحرب فقد أصبحت القاعدة هي قصر حالة العداء على الدول دون الشعوب مع قصر ما يوجه من الأعمال العدائية في القتال إلى القوات المتحاربة فقط دون الشعب الآمن مع عدم التعرض لأشخاصه أو أملاكه بسوء إلا بداعي الضرورة وفي حالات خاصة. ([121])  ولذلك وكما أسلفنا فقد تطور قانون الحرب بظهور عدة ضوابط لتنظيم الحرب وجعلها أكثر إنسانية منذ بدايات القرن الثامن عشر، ومحاولة حصرها بين الدول على المقاتلين فقط، وفي منتصف القرن التاسع عشر قد تقدم المجتمع الدولي وبدأ في العمل على تقنيين الأعراف والعادات الدولية، والتي تؤكد على مراعاة الاعتبارات الإنسانية في الحروب، وكذلك ضرورة إبرام الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف، من أجل تنظيم عمليات القتال وأدواته وأساليبه للحد من الأضرار والخسائر والمحافظة على كرامة الإنسان، ثم جاء القرن العشرين وشهد عدة اضطرا بات جلبت على البشر مآسي وأهوال جسام مما كان سبباً في السعي من أجل تطوير قواعد القانون الدولي لمواجهة الحرب والحد من أثارها بقصرها على المحاربين مع الاقتصار في العمليات الحربية على الضرورة العسكرية فقط.





   ([1]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار(أسرى الحرب) المرجع السابق ص63 وما بعدها.
      د . حازم محمد عتلم (قانون النزاعات المسلحة الدولية)المرجع السابق ص142 وما بعدها.
   ([2]) د . جان س. بكتيه( القانون الدولي الإنساني تطوره ومبادئه) تقديم: د. مفيد شهاب،(دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ، ص 48
   ([3])  د .  سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 2
   ([4]) -  الأستاذ هانز – بيتر غاسر( حظر الأعمال الإرهابية في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ،ص380
         د . حازم محمد عتلم (قانون النزاعات المسلحة الدولية)المرجع السابق ص143
([5]) د . جان س. بكتيه( القانون الدولي الإنساني تطوره ومبادئه)(دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ، ص 34
([6]) انظر :
 Grant, A.: A  History. Of Europe from 1494 to 1610, London, 1946, pp.20-26
([7]) د . عزيز شكري ( ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 14- 16 نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999)  المرجع السابق، ص13
([8]) د . عبد الغني محمود ( حماية ضحايا النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية ) المرجع السابق ص 261 وما بعدها.
([9]) انظر:
 Hilaire Mccoubrey, " International humanitarian Law” is that branch of armed    
   conflict University of Nottingham, Dartmouth London 1988, p.1                  
       د .  زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 239
([10])  المجلة المصرية للصليب الأحمر العدد 728 مارس – أبريل 1981 ص 79- 86
      د . محمد صافي يوسف ( الحماية الدولية للمشردين قسريا داخل دولهم) دار النهضة العربية، 2004  ص41
([11]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار(أسرى الحرب) المرجع السابق ص61
([12]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار(أسرى الحرب) المرجع السابق ص61
([13]) د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة) المرجع السابق ص 5
ل- ريبا (إدارة الحرب ومعاملة ضحايا المنازعات المسلحة) المرجع السابق، ص 257 -260
([14]) د . سعيد سالم جويلي ( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 12
([15]) د . سمير عبد المنعم أبو العنين( العلاقات الدولية في العصور القديمة) الطبعة الأولى، القاهرة،1989  ص81-83
([16]) د . علي صادق أبو هيف (القانون الدولي العام) المرجع السابق ص 28
          - المستشار علي منصور(الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 22
([17]) جاك س0 ريسلر ( الحضارة العربية) ترجمة إلى العربية غنيم عبدون مراجعة  د . أحمد فؤاد الأهواني بدون سنة القاهرة الدار المصرية للتأليف والترجمة. ص 15، 20
([18]) انظر :
 LeFur et ChkIaver: Recueile et textes de droit international public, Vol. 1, paris, 1928 ,p.1-2
([19]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 14
([20]) د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام)ط1 1984دار النهضة العربية، القاهرة ص 15
        ل- ريبا (إدارة الحرب ومعاملة ضحايا المنازعات المسلحة) المرجع السابق، ص 257 -260
([21]) د . عبد الكريم الد لحول ، المرجع السابق ص 110
([22]) انظر:
Jean pictet, Development and Principles of International humanitarian                   Law.,Martinus Nijhoff  publishers Dordrecht, Boston, Lancaster, Henry Dunant Institute Geneva 1985 p.5
([23]) د . محمد عبد الله دراز( دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية) دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، 1989 ص 140
([24])    المستشار: علي منصور(الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 23
          د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 16
Jean pictet, , Development and Principles of International humanitarian law            ”op. cit. p.9
([25])   د . أحمد سرحال ( قانون العلاقات الدولية) المرجع السابق ص 12
([26])   د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 16
([27])   د . على صادق أبوهيف ( القانون الدولي العام) المرجع السابق ص29
         د . سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 15 وما بعدها.
([28])    د .  صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 17
([29])    د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 239
         -  المستشار علي منصور( الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 24
          د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 17
 ([30]) د . على صادق أبوهيف ( القانون الدولي العام) المرجع السابق ص30
 ([31]) د . سعيد سالم جويلي ( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 18
 ([32]) د . صلاح الدين عامر(المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 6
([33])  د . محمد عبد الله دراز( دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية) المرجع السابق ص 132
([34])  د .  زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 239، 307
([35])  د .   صفاء حسين زيتون- صبرا وشتيلا - المزيحة- الناشر دار الفتى العربي - مصر القاهرة- جريدة
                الشرق الأوسط العربية الصادرة في لندن  بتاريخ 16/9/1982م
([36])  د . عبد الواحد محمد يوسف الفار- القانون الدولي العام- الناشر دار النهضة العربية- القاهرة 1994م
               ص 449
        د . محيى الدين عشماوى (حقوق المدنيين تحت الاحتلال الحربي) المرجع السابق – ص34 
        د . صفاء حسين زيتون – صبرا وشتيلا – المز بحة- المرجع السابق 0 
([37])   د . رجب عبد المنعم متولي( مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة) المرجع السابق ص 50
([38])   نشرة  أخبار الساعة التاسعة -  التليفزيون المصري – القناة الأولى – في 20/ أبريل 2002م
([39])   المرجع السابق – ( سفر صموائيل الأول – الإصحاح الخامس عشر – 3 - ص 371
([40])   المرجع السابق – (سفر يشوع ) الإصحاح السادس –20، 21- ص284
([41]) د .  رقية عواشرية( حماية المدنيين والأعيان المدنية) المرجع السابق ص 113
([42]) د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 15
([43]) د . سعيد سالم جويلي ( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص 22
([44])   د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 239
([45])   د . محمد عبد الله دراز( دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية) دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1989 ص 132
([46])   د . صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 18
([47])   د . وهبة الزحيلي ( أثار الحرب في الفقه الإسلامي) رسالة دكتوراه جامعة عين شمس 1985 ص38- 49
انظر أيضا:=
Roland H. Bainton,Christian Attitudes toward war and Peace, A. Historcial Survey and Critical Re- evaluation, Abingdon Press, New York, 1961,p38 et  Seq
([48]) د . أحمد سرحال ( قانون العلاقات الدولية) المرجع السابق ص 15
([49]) د . إحسان هندي (أثر الثقافة والأخلاق والدين في القانون الدولي الإنساني) المجلة الدولية للصليب الأحمر العدد 40 نوفمبر ديسمبر 1994ص 486
([50]) د .  محمد عزيز شكري (تاريخ القانون الدولي الإنساني وطبيعته)ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 14- 16 نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999) المرجع السابق، ص16 وما بعدها.
([51]) د . عبد الغني محمود (حماية ضحايا النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية) بحث  نشر في كتاب( دراسات في القانون الدولي الإنساني ) المرجع السابق ص 263 وما بعدها.
([52]) د . عبد الرحمن أبو النصر(اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949)المرجع السابق ص 38
([53]) المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 328
([54]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 240
([55]) د . سعيد سالم جويلي ( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 33
([56]) د . محمد سعيد البويطي (الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه) دار الفكر المعاصر- بيروت، الطبعة الأولى 1993 ص 96
    - فضيلة الشيخ :  سيد سابق ( فقه السنة ) المرجع السابق ص 107
    - المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 312 وما بعدها.
    - د . عامر الزمالي(الفئات المحمية بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني) ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين(14-16) نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999) بحث نشر في كتاب (دراسات في القانون الدولي الإنساني)المرجع السابق ص 15
([57]) الشيخ أبي محمد عبد الملك بن هشام ( السيرة النبوية لابن هشام)تعليق طه عبد الرؤوف سعد، الجزء الرابع ، دار الجبل بيروت 1978 ص75
  - وانظر أيضا: فضيلة الشيخ : سيد سابق ( فقه السنة ) المرجع السابق ص 107
   وانظر أيضا: د . عبد الرحمن أبو النصر(اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949)المرجع السابق ص 42
([58]) د .  منصور أبو المعاطي محمد (تنظيم الحروب في الإسلام ) محاضرات ألقيت على طلبت كلية الشريعة  والقانون السنة الثالثة عام 1988 ص 185
   - وانظر أيضا: فضيلة الشيخ : سيد سابق ( فقه السنة ) المرجع السابق ص 107
   - المستشار: علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 329
([59]) د . محمد عبد الله دراز( دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية)المرجع السابق ص136 وما بعدها.
([60]) د . محمد سعيد رمضان البويطي( فقه السيرة- دراسات منهجية علمية لسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وما تنطوي عليه من عظات ومبادئ وأحكام) الطبعة السابعة، مكتبة الدعوى الإسلامية، القاهرة ص305
([61]) المستشار: علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 313 وما بعدها.
([62]) د .  منصور أبو المعاطي محمد (تنظيم الحروب في الإسلام ) المرجع السابق ص 182- 184
- الشيخ أبي محمد عبد الملك بن هشام ( السيرة النبوية لابن هشام) المرجع السابق ص60 وما بعدها.
وانظر أيضا: د . عبد الرحمن أبو النصر(اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949)المرجع السابق ص 42
([63]) د .  صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 23
([64]) المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 328 وما بعدها.
([65]) د . عبد الغني محمود ( دراسات في القانون الدولي الإنساني ) تقديم : د. مفيد شهاب،المرجع السابق ص 264
([66]) د .  صلاح الدين عامر(مقدمة لدراسة القانون الدولي العام) المرجع السابق، ص 24
([67])  د. رجب عبد المنعم متولي(مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير) المرجع السابق ص60 وما بعدها.
        - فضيلة الشيخ سيد سابق ( فقه السنة) المرجع السابق ص 80 ومتا بعدها.
        د. عزيز شكري ( ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 14- 16 نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999) بحث نشر في كتاب(دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص15
       - المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 310 - 313
   ([68]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار(أسرى الحرب) المرجع السابق ص59 وما بعدها.
         د . سعيد سالم جويلي ( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 41
 ([69]) انظر :
Y. Dinsten," Human rights in armed conflict : international humanitarian law " T. Meron edition Human rights in international law : Legal and policy issues, Clarendon press, Oxford, p.345.                                                                                                          
([70]) د . عبد الرحمن أبو النصر(اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949)المرجع السابق ص53 وما بعدها.
([71]) د . علي صادق أبوهيف ( القانون الدولي العام) المرجع السابق ص 32 وما بعدها.
      المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 49 وما بعدها.
أنيس . ل. كلود: ( النظام الدولي والسلام العالمي) ترجمة د. عبد الله العريان طبعة 1963 القاهرة ، دار النهضة العربية ص43
([72]) د . احمد سو يلم العمري( أصول العلاقات السياسية الدولية) الطبعة الثالثة، 1959 القاهرة، مكتبة ألا نجلو المصرية ص 156 وما بعدها.
([73]) د. محمد عزيز شكري( تاريخ القانون الدولي الإنساني وطبيعته( ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 14- 16 نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999) بحث نشر في كتاب(دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص13 - 16
([74]) د . سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص 37
([75]) أنيس . ل. كلود: ( النظام الدولي والسلام العالمي) المرجع السابق ص 63
([76]) برتراند رسل ( حكمة العرب) الجزء الثاني، لندن، 1961 ترجمة الدكتور فؤاد ذكريا ، الطبعة الأولى 1983 عالم المعرفة ، الكويت ، ص 169
([77]) د . صلاح الدين عامر (مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة) المرجع السابق ص 6 وما بعدها.
([78]) د . جان س. بكتيه( القانون الدولي الإنساني تطوره ومبادئه) بحث نشر في كتاب( دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص51
([79]) د .  صلاح الدين عامر( المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام) المرجع السابق ص 478
([80]) انظر:
Jean pictet, , Development and Principles of International humanitarian law ”op. cit. pp.22-23
([81]) د . صلاح الدين عامر( المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام) المرجع السابق ص 108-110
([82]) د . سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص 43
([83]) د . صلاح الدين عامر( مقدمة لدراسة قانون النازعات المسلحة) المرجع السابق ص 27 وما بعدها.
([84]) انظر :
Jean pictet, , Development and Principles of International humanitarian law ”op.      Cit.  p.25                                                          
([85]) د . صلاح الدين عامر( المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي ) المرجع السابق ص118 وما بعدها
([86]) د . محمد عزيز شكري( تاريخ القانون الدولي الإنساني وطبيعته) ( ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين 14- 16 نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999)المرجع السابق، ص17
([87]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 245
([88]) د . سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص 44
([89]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 240
      د . الشافعي محمد بشير ( القانون الدولي العام في السلم والحرب) المرجع السابق ص 584
([90]) نقلاً عن د . محمد عبد الله دراز( دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية)المرجع السابق ص 141
([91]) د .  مصطفى سلامة حسين ( ازدواجية المعاملة في القانون الدولي العام) المرجع السابق ص 5 وما بعدها.
([92]) - المستشار علي منصور (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) المرجع السابق ص 318
([93]) د . صلاح الدين عامر( المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي) المرجع السابق ص415 وما بعدها.
([94]) د . عبد الغني محمود ( حماية ضحايا النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية) المرجع السابق ص 263
([95]) د . طارق عزت رخا ( تحريم التعذيب والممارسات المرتبطة به، دراسة مقارنة في القانون الدولي العام والقانون الوطني والشريعة الإسلامية) دار النهضة العربية ، 1999 القاهرة ص 441
([96]) د . جان س. بكتيه( القانون الدولي الإنساني تطوره ومبادئه)( دراسات في القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق ص51
([97]) د . عامر الزمالي(الفئات المحمية بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني) ورقة عمل قدمت إلى المؤتمر الإقليمي العربي الذي انعقد في القاهرة في الفترة ما بين(14-16) نوفمبر 1999 بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف(1949-1999)بحث نشر في كتاب(دراسات في القانون الدولي الإنساني)المرجع السابق ص 121
([98]) انظر نص المادتين (146، 147) من اتفاقية جنيف الرابعة 1949 ( موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني) ص245
([99]) د . حازم محمد عتلم ( قانون النزاعات المسلحة الدولية) المرجع السابق ص361
([100]) د . عبد الرحمن أبو النصر(اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين لعام 1949م) المرجع السابق، ص3- 6
([101]) د . على صادق أبوهيف ( القانون الدولي العام ) المرجع السابق ، ص 721
([102]) د . طارق عزت رخا ( تحريم التعذيب والممارسات المرتبطة به) المرجع السابق، ص 439
          ونصت المادة الثانية من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984م على الآتي:
 1- " تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي"
2- لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديد بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب"
3- لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب"
([103]) د . رقية عواشرية (حماية المدنيين والأعيان المدنية في النزاعات المسلحة غير الدولية) المرجع السابق ص161
([104]) د . طارق عزت رخا ( تحريم التعذيب والممارسات المرتبطة به) المرجع السابق، ص 528
([105]) د . إبراهيم العناني ( النظام الدولي الأمني) دار النهضة العربية، القاهرة 1997 ص 9
([106]) تقرير لجنة حقوق الإنسان، الدورة الثامنة والأربعون، الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، جنيف 1993م ص166 وما بعدها
([107]) انظر: د . هورست فشر (مبدأ التناسب) على شبكة المعلومات الدولية، على الموقع التالي:
http://www.crimes of war.org/ arabic/war 15.htm                              
([108]) انظر: د . عبد الله تركماني( الحرب الوقائية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من وجهة نظر القانون الدولي وحقوق الانسان- العراق نموزجاً)  على شبكة المعلومات الدولية،على الموقع التالي:
 http://hem.bredband.net/dccls/dcc.mkala.syr.torkmani3.htm
انظر: رسالتنا لنيل درجة الدكتوراه بعنوان(الحرب العادلة) وفقا لقواعد القانون الدولي العام من كلية الحقوق جامعة الزقازيق ص 386 وما بعدها.
([109]) د . محمود سامي جنينة( بحث في قانون الحرب ) مجلة القانون والاقتصاد، يناير 1941 ص 149
([110]) انظر : هند غروب ( الأولوية ليست للشرائع )، على شبكة المعلومات الدولية،على الموقع التالي :
http://www.fikrwanakd.aljabriabed.com/n46_05hind.htm
([111]) انظر: المحامي حسين ألشيوخي(رجاء مستر بوش لا تتحدث عن اتفاقيات جنيف) على شبكة المعلومات الدولية، على الموقع التالي:
http://www.amin.org/views/uncat/2003/apr/apr05.htm                              
([112]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار(أسرى الحرب) المرجع السابق ص65 وما بعدها.
([113]) د . سعيد سالم جويلي( المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق، ص 325
([114]) انظر: نص الفقرات (1، 2، 3 )من المادة (54) البروتوكول الأول المضاف لعام 1977(موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني) المرجع السابق 292 وما بعدها.
([115]) انظر: إيما دالي(تدمير شبكات المياه ومرافقها)على شبكة المعلومات الدولية،على الموقع التالي:
http://www.crimes of war.org/ arabic/easteurope10.htm                              
   ([116]) د . حازم محمد عتلم ( قانون النزاعات المسلحة الدولية) المرجع السابق ص 220
   ([117]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 349         
   ([118]) د . زكريا عزمي ( من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح) المرجع السابق ص 371- 327
   ([119]) انظر: وجدي أنور مردان، كيف انتهكت أمريكا وبريطانيا ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي؟ على الموقع  التالي:                                     htt://www.kefaya. org/znet/041006wamerdan.htm        
([120]) انظر: المحامي حسين الشيوخي (رجاءمستر بوش … لا تتحدث عن اتفاقيات جنيف )على الموقع التالي:
http://www.amin.org/views/uncat/2003/apr/apr05.htm                               
([121]) د . عبد الواحد محمد يوسف الفار( أسرى الحرب) المرجع السابق ص72